تشهد ولايتا جنوب وغرب كردفان تصعيدًا عسكريًا خطيرًا، مع دخول الحرب السودانية مرحلة أكثر دموية واتساعًا، بعد أن فرضت ميليشيا الدعم السريع، المتحالفة مع الحركة الشعبية – شمال، حصارًا خانقًا على مدينتي كادوقلي والدلنج، في محاولة واضحة لإسقاطهما بالقوة وكسر ما تبقى من سلطة الدولة في الإقليم.
مصدر عسكري أكد أن الجيش السوداني نفذ ضربات جوية استهدفت مواقع الدعم السريع في بلدة برنو شمال غربي كادوقلي، وأوقع خسائر في صفوفها، وذلك بعد يوم واحد فقط من إعلان الميليشيا سيطرتها على البلدة. غير أن هذه الضربات، رغم أهميتها التكتيكية، لم تفك الحصار المفروض على المدينتين، حيث تواصل الميليشيا تضييق الخناق وقطع خطوط الإمداد، في سيناريو يعيد إلى الأذهان أساليب الحصار والتجويع التي استخدمتها سابقًا في دارفور.
الحصار لا يقتصر على الجانب العسكري، بل يمتد ليطال المدنيين بشكل مباشر، إذ باتت كادوقلي والدلنج مهددتين بنقص حاد في الغذاء والدواء، وسط مخاوف من انهيار كامل للخدمات الأساسية إذا استمر الوضع على حاله.

الحكومة تصعّد سياسيًا وتطالب بتصنيف إرهابي
في موازاة التصعيد الميداني، رفعت الحكومة السودانية من لهجتها السياسية، مؤكدة أن ما يجري لم يعد مجرد “نزاع مسلح”، بل حرب تشنها ميليشيا خارجة عن القانون بدعم خارجي واضح. وزيرة شؤون مجلس الوزراء لمياء عبد الغفار شددت على أن السودان يسعى إلى سلام يحفظ سيادته ووحدته واستقلال قراره، دون أي تدخلات إقليمية، في إشارة مباشرة إلى الدور الإماراتي في دعم ميليشيا الدعم السريع.
وطالبت الوزيرة صراحة بتصنيف الدعم السريع “منظمة إرهابية”، معتبرة أن سجلها الحافل بالقتل خارج القانون، وتهجير المدنيين، ونهب الممتلكات، وفرض الحصار على المدن، يضعها خارج أي إطار سياسي أو تفاوضي. هذا المطلب يعكس تحوّلًا في خطاب الدولة، بعد سنوات من التغاضي أو المراهنة على احتواء الميليشيا، قبل أن تنقلب إلى أداة تدمير شامل، مدعومة بالمال والسلاح والغطاء السياسي من أبوظبي.
نزوح جماعي وأزمة إنسانية تتفاقم
النتائج الإنسانية لهذا التصعيد كارثية. فقد ارتفع عدد النازحين الجدد من منطقة هجليج بولاية غرب كردفان إلى مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض إلى نحو 1700 نازح، معظمهم من النساء والأطفال، بعد رحلة نزوح شاقة هربًا من القتال وانعدام أبسط مقومات الحياة.
مسؤولة العون الإنساني بولاية النيل الأبيض حذرت من أن الغذاء في مخيمات النازحين غير كافٍ، وأن الأوضاع الإنسانية قاسية للغاية، مطالبة بمضاعفة الدعم العاجل لتفادي كارثة أكبر.
على المستوى الأممي، تتوقع المنظمات الإنسانية نزوح ما بين 90 ألفًا إلى 100 ألف شخص إضافي إذا استمر القتال في كادوقلي، مع احتمال تأثر نحو نصف مليون شخص في مدينة الأُبَيِّض نتيجة تصاعد المعارك في محيطها. كما أكدت تقارير فرار أكثر من 100 ألف مدني من الفاشر والقرى المحيطة بها، فيما لا يزال آلاف آخرون عالقين في مناطق القتال، بلا ممرات آمنة ولا مساعدات كافية.
دعوات دولية بلا ضغط حقيقي
رغم تصاعد المأساة، لا تزال المواقف الدولية محصورة في إطار الدعوات العامة. فقد صدرت دعوات أميركية للتوصل إلى هدنة إنسانية، وجرى الحديث عن “فرصة للسلام” مع بداية العام الجديد. كما أطلق الرئيس الأميركي تصريحات عن إمكانية التدخل لوقف الحرب.
غير أن هذه الدعوات تبدو فارغة من مضمونها ما دامت لا تترافق مع إجراءات عملية، وعلى رأسها ممارسة ضغط حقيقي على الإمارات، الداعم الرئيسي لميليشيا الدعم السريع، سواء عبر العقوبات أو وقف تدفق السلاح والتمويل.
حرب بالوكالة وتمزيق ممنهج للدولة
ما يحدث في كردفان ليس تطورًا معزولًا، بل حلقة في مشروع تفكيك الدولة السودانية عبر ميليشيا تعمل كذراع إقليمي. سيطرة الدعم السريع على معظم ولايات دارفور، ومحاولتها التمدد في كردفان، تكشف عن خطة طويلة الأمد لإعادة رسم الجغرافيا بالقوة، وتحويل السودان إلى ساحة نفوذ مفتوحة.
في هذا السياق، يصبح تصنيف ميليشيا الدعم السريع كمنظمة إرهابية خطوة ضرورية، لا فقط لحماية المدنيين، بل لكشف حقيقة الحرب الدائرة: حرب مدعومة من الخارج، تُدار بأدوات محلية، ويدفع ثمنها ملايين السودانيين بين قتيل ونازح وجائع. دون مواجهة هذا الواقع، سيظل الحصار يتكرر، وستبقى المدن السودانية أهدافًا سهلة لميليشيا لا تؤمن بالدولة ولا بالسلام.
اقرأ أيضا : السودان.. احتدام معارك كردفان في حرب تُغذّيها الإمارات وواشنطن تدعو لهدنة إنسانية