أعادت كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، رسم ملامح المرحلة المقبلة في الصراع مع الاحتلال الإسرائيلي، عبر كلمة حملت أبعادًا سياسية وعسكرية واضحة، نعت خلالها عددًا من أبرز قادتها الذين قضوا خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على قطاع غزة.
وفي كلمة مصوّرة بثتها قناة الجزيرة، أعلن المتحدث العسكري الجديد باسم القسام نعي القائد محمد السنوار قائد أركان الكتائب، إلى جانب القائد الملثم أبو عبيدة، الذي كشف لأول مرة عن اسمه الحقيقي: حذيفة الكحلوت (أبو إبراهيم)، إضافة إلى عدد من القيادات الميدانية والتنظيمية، أبرزهم محمد شبانة، حكم العيسى، ورائد سعد.
تثبيت الرواية بعد الحرب
يحمل إعلان النعي –بصيغته ومضمونه– دلالة تتجاوز البعد التوثيقي، إذ يأتي في توقيت سياسي حساس، بعد التوصل إلى اتفاق وقف الحرب، وفي ظل محاولات إسرائيلية وغربية متواصلة لتكريس رواية تعتبر المقاومة “خاسرة” أو “مُنهكة”.
في هذا السياق، بدا واضحًا أن القسام أرادت تثبيت روايتها الرسمية: خسارة القادة لم تكن انهيارًا، بل جزءًا من ثمن المواجهة، وأن البنية القيادية لم تُكسر رغم الضربات.
انتقال محسوب في الخطاب والقيادة
وظهور متحدث عسكري جديد، مع الكشف العلني عن الاسم الحقيقي لأبو عبيدة، يعكس –وفق مراقبين– انتقالًا محسوبًا داخل بنية القسام، يهدف إلى الجمع بين الاستمرارية الرمزية والتكيّف مع واقع ما بعد الحرب.
فالكشف عن الأسماء، الذي تجنّبت القسام طيلة سنوات الإقدام عليه، يشير إلى مرحلة أقل اعتمادًا على الرمزية السرّية، وأكثر تركيزًا على توثيق التضحيات وتسجيلها في الذاكرة الجمعية الفلسطينية.
“طوفان الأقصى” كإطار ناظم
وصف المتحدث العسكري عملية “طوفان الأقصى” بأنها جاءت “لتصحيح المسار وإعادة روح المقاومة إلى الأمة”، ليس توصيفًا عاطفيًا، بل إطارًا سياسيًا ناظمًا تسعى القسام لترسيخه، باعتبار العملية لحظة فاصلة أعادت تعريف قواعد الاشتباك، وأخرجت القضية الفلسطينية من حالة التهميش الإقليمي والدولي.
وفي هذا السياق، ربط المتحدث بين نتائج الحرب واتفاق وقف إطلاق النار، معتبرًا أن الاتفاق “ثمرة لتضحيات الشعب وبطولات المقاومة”، في رسالة مباشرة تفيد بأن ما تحقق سياسيًا لم يكن نتيجة ضغوط دولية فقط، بل انعكاسًا لمعادلة ميدانية فرضتها المقاومة.
رسالة تحذير بلا تصعيد
الدعوة التي وجّهتها القسام إلى “لجم الاحتلال وإلزامه بما تم الاتفاق عليه بدل الانشغال ببنادقنا الخفيفة”، تحمل لهجة تحذير محسوبة؛ فهي لا تعلن التصعيد، لكنها تضع المسؤولية على الأطراف الدولية والوسطاء، وتلمّح إلى أن استمرار خروقات الاحتلال قد يعيد فتح مسارات المواجهة.
ما بعد النعي
في المحصلة، لا يمكن قراءة كلمة القسام بوصفها مجرد إعلان نعي، بل كـبيان سياسي–عسكري يؤسس لمرحلة ما بعد الحرب:
مرحلة تؤكد فيها المقاومة أنها دفعت ثمنًا باهظًا، لكنها ما زالت قائمة، قادرة على إعادة إنتاج قيادتها، ومتمسكة بسرديتها، في مواجهة محاولات كسرها سياسيًا أو عسكريًا.