كشفت صور أقمار اصطناعية حديثة عن توسّع خطير ومتسارع لمخيمين كبيرين للنازحين في ولايتي شمال دارفور والولاية الشمالية بالسودان، في مشهد يعكس الكلفة الإنسانية الباهظة لحرب تقودها ميليشيا الدعم السريع بدعم مباشر وغير مباشر من دولة الإمارات، التي تحوّلت من لاعب إقليمي إلى شريك فعلي في تمزيق السودان وتهجير سكانه.

الصور التي حللتها وحدة التحقيقات الرقمية في شبكة الجزيرة ضمن مشروع “سند”، أظهرت تحوّل مساحات شاسعة إلى مراكز إيواء مكتظة بالنازحين، بالتزامن مع اشتداد المعارك وسيطرة ميليشيا الدعم السريع على مدينة الفاشر أواخر أكتوبر/تشرين الأول الماضي. هذا التوسّع لا يمكن فصله عن سياسة عسكرية ممنهجة تستهدف تفريغ المدن، وإعادة رسم الخريطة السكانية بالقوة.

مخيم جديد بعد سقوط الفاشر

بحسب التحقيق، نشأ مخيم نزوح جديد في بلدة قرني شمال غرب الفاشر، مباشرة بعد سقوط المدينة في أيدي ميليشيا الدعم السريع يوم 26 أكتوبر. تحليل صور الأقمار الاصطناعية الملتقطة بين 25 أكتوبر و29 ديسمبر أظهر تضاعفاً مستمراً في حجم المخيم، حيث بلغت مساحته منتصف ديسمبر نحو 186 ألف متر مربع، قبل أن ترتفع خلال أسبوعين فقط إلى قرابة 199 ألف متر مربع.

هذا النمو السريع لا يعكس تحسناً في الاستجابة الإنسانية، بل يدل على موجات نزوح قسري متلاحقة، فرضتها العمليات العسكرية والاقتحامات ونهب الأحياء السكنية، وهي أنماط موثقة لميليشيا الدعم السريع منذ اندلاع الحرب.

100 ألف نازح من مدينة واحدة

تقديرات الأمم المتحدة تشير إلى فرار نحو 100 ألف شخص من الفاشر وحدها منذ نهاية أكتوبر، بعد فرض الميليشيا سيطرتها على المدينة. هذه الأرقام تضع الفاشر في صدارة المدن المنكوبة، وتكشف كيف تحوّلت دارفور مجدداً إلى مسرح مفتوح للتهجير الجماعي، في ظل صمت دولي وعجز أممي عن حماية المدنيين.

النازحون الجدد، ومعظمهم من النساء والأطفال، وجدوا أنفسهم في مخيمات تفتقر إلى أدنى مقومات الحياة، وسط نقص حاد في الغذاء والمياه والخدمات الصحية، ومع تزايد مخاطر الأمراض وسوء التغذية.

حرب مستمرة منذ 2023

اندلعت الحرب في السودان في أبريل/نيسان 2023، وأسفرت عن مقتل عشرات الآلاف ونزوح ما يقارب 13 مليون شخص، لتصبح واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم. ومن أصل 18 ولاية سودانية، تسيطر ميليشيا الدعم السريع على ولايات دارفور الخمس غرباً، باستثناء أجزاء من شمال دارفور، بينما يفرض الجيش سيطرته على معظم الولايات المتبقية، بما فيها العاصمة الخرطوم.

هذا الانقسام لم يؤدِ إلى تهدئة الصراع، بل عمّق معاناة المدنيين، خصوصاً في مناطق سيطرة الميليشيا التي شهدت انتهاكات واسعة، شملت القتل والنهب والاغتصاب والتهجير القسري.

الأقمار الاصطناعية تفضح ما يُراد إخفاؤه

أهمية صور الأقمار الاصطناعية لا تقتصر على التوثيق، بل تتجاوز ذلك إلى فضح أنماط الجريمة حين تُغلق الأبواب أمام الإعلام والمراقبين الدوليين. فالتوسع المنتظم للمخيمات، وتحول الأراضي الزراعية والفراغات إلى مساحات مكتظة بالخيام، يشير إلى نزوح طويل الأمد، لا إلى موجات مؤقتة.

كما تكشف هذه الصور غياب أي تخطيط إنساني، ما يعني أن المخيمات تنمو بفعل الهروب الجماعي، لا بفعل تنظيم أو استيعاب رسمي، وهو ما ينذر بكارثة أكبر مع استمرار الحرب.

الدور الإماراتي: شريك في التهجير

في قلب هذا المشهد الإنساني القاتم، يبرز الدور الإماراتي بوصفه أحد المحركات الأساسية للصراع. فبدلاً من لعب دور الوسيط أو الضغط لوقف الحرب، واصلت أبوظبي – وفق تقارير أممية وتحقيقات صحفية دولية – دعم ميليشيا الدعم السريع بالسلاح والتمويل والمرتزقة، وتوفير غطاء سياسي لها في المحافل الدولية.

هذا الدعم لا ينعكس فقط في ساحات القتال، بل يظهر بوضوح في صور المخيمات المتوسعة، حيث يتحول المدنيون إلى ضحايا مباشرة لمشاريع نفوذ إقليمية، تُدار على حساب وحدة السودان واستقراره.

مأساة مستمرة

ما تكشفه الأقمار الاصطناعية اليوم ليس مجرد أرقام أو مساحات، بل قصص اقتلاع قسري لمئات الآلاف من السودانيين. فكل متر جديد في المخيمات هو شاهد على جريمة تهجير، وكل توسّع هو دليل إضافي على حرب تُدار بلا رادع.

وبين ميليشيا الدعم السريع التي تنفذ على الأرض، والإمارات التي تمدّها بأسباب الاستمرار، تتواصل مأساة السودان، فيما يظل المدنيون وحدهم يدفعون الثمن.

اقرأ أيضًا : ميليشيا الانتقالي الانفصالية وأجندة الإمارات.. مستشار الرئاسة اليمنية: تمزيق اليمن خدمة مجانية للحوثي