كشف مصدر خليجي مطّلع عن حالة غضب شديد سادت أروقة صنع القرار في أبوظبي، عقب تلقي مسؤولين إماراتيين ما وُصف بـ“معلومات مضللة” بشأن فحوى لقاء جرى في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي في واشنطن بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس الأميركي دونالد ترامب. ووفق هذه المعلومات، فإن ولي العهد السعودي لم يكتفِ – كما أُشيع – بالمطالبة بفرض مزيد من العقوبات على ميليشيا الدعم السريع في السودان، بل ذهب أبعد من ذلك حين طالب بعقوبات مباشرة وأكثر حدة على الإمارات نفسها، على خلفية اتهامات بدعمها للقوات شبه العسكرية المتهمة بارتكاب فظائع واسعة في السودان.

وبحسب المصدر، فإن هذا “الانطباع الخاطئ” لم يمرّ مرور الكرام في أبوظبي، بل شكّل شرارة لتصعيد سياسي وأمني في أكثر من ساحة، كان أبرزها اليمن، حيث عاد التوتر بين الحليفين السابقين إلى الواجهة، لكن هذه المرة بلا أقنعة ولا شعارات موحدة.

من الشراكة إلى الشك المتبادل

لطالما قدّمت السعودية والإمارات نفسيهما كركيزتين لتحالف واحد في المنطقة، خاصة منذ انطلاق الحرب في اليمن عام 2015. غير أن السنوات الأخيرة كشفت أن هذا التحالف لم يكن سوى غطاء مؤقت لصراع نفوذ أعمق، سرعان ما طفا على السطح مع تباين الأجندات وتضارب المصالح.

في السودان، دعمت الرياض خطاب “الاستقرار” و“وحدة الدولة”، في حين ارتبط اسم أبوظبي – وفق تقارير دولية متواترة – بعلاقات وثيقة مع ميليشيا الدعم السريع، سواء عبر الدعم السياسي أو القنوات الاقتصادية غير المباشرة. ومع اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وتلك القوات، تحوّل السودان إلى ساحة اختبار جديدة لصراع الإرادات الخليجية.

أما في اليمن، فقد بدا واضحًا أن التصعيد الأخير لا يمكن فصله عن هذا السياق الأوسع. فالإمارات، التي أعلنت أكثر من مرة “انسحابها” من اليمن، لا تزال تمسك بمفاصل حيوية عبر أدوات محلية، أبرزها المجلس الانتقالي الجنوبي، في مقابل تمسك السعودية بشرعية سياسية اسمية لم تعد تملك السيطرة الفعلية على الأرض.

اليمن كساحة تصفية حسابات

يشير المصدر الخليجي إلى أن الغضب الإماراتي من ما اعتُبر “طعنًا في الظهر” سعوديًا داخل واشنطن، انعكس مباشرة في اليمن عبر تسريع خطوات ميدانية وسياسية أربكت الحسابات السعودية. فبدل أن يكون اليمن ساحة نفوذ مشترك، تحوّل إلى مسرح لتصفية الحسابات، حيث بات كل طرف يسعى لتثبيت مكاسبه ولو على حساب وحدة البلاد ومستقبل شعبها.

هذا التحول يعكس حقيقة أكثر قتامة: أن الحرب في اليمن لم تعد مرتبطة فقط بمواجهة الحوثيين، بل أصبحت أيضًا أداة في صراع قوى إقليمية، تتنافس على الموانئ والجزر وخطوط الملاحة، من عدن إلى سقطرى وباب المندب.

قوى “الشر” وإعادة إنتاج الفوضى

في هذا السياق، يرى مراقبون أن ما يجري بين الرياض وأبوظبي لا يمكن توصيفه إلا كصراع بين “قوى شر”، تتقاسم المسؤولية عن زعزعة استقرار المنطقة. فالدولتان، اللتان تمتلكان إمكانات مالية وسياسية هائلة، اختارتا استثمار هذه القوة في تمزيق دول هشة أصلًا، بدل دعم مسارات حقيقية للتسوية والسلام.

في السودان، أدى هذا التنافس إلى إطالة أمد الحرب وتعقيد جهود الوساطة، بينما يدفع المدنيون الثمن من دمائهم ومنازلهم. وفي اليمن، تسببت هذه السياسات في تفتيت ما تبقى من الدولة، وتحويل البلاد إلى فسيفساء من الكيانات المسلحة، المرتبطة بعواصم خارجية أكثر من ارتباطها بشعبها.

واشنطن… الحكم الغائب أم الشريك؟

لا يمكن فصل هذه التطورات عن الدور الأميركي، أو بالأحرى عن الغموض الذي يلف الموقف الأميركي. فواشنطن، التي تستقبل قادة الخليج وتستمع إلى روايات متناقضة، تبدو عاجزة – أو غير راغبة – في كبح جماح حلفائها، مكتفية بإدارة التوازنات بدل معالجة جذور الأزمات.

وإذا صحّ أن معلومات “مضللة” كانت وراء انفجار هذا الخلاف، فإن ذلك يكشف هشاشة الثقة بين العواصم الخليجية، واستعدادها للانزلاق إلى التصعيد بناءً على تسريبات وشكوك، دون اعتبار للكلفة الإنسانية والسياسية.

خاتمة: المنطقة رهينة صراعات النفوذ

في المحصلة، يكشف هذا المشهد عن حقيقة صادمة: أن السعودية والإمارات، رغم خطابهما عن “الاستقرار” و“مكافحة الفوضى”، باتتا جزءًا أصيلًا من المشكلة. فصراعهما المفتوح أو المستتر لا ينتج سوى مزيد من الحروب بالوكالة، ومزيد من الدول المنهكة، من الخرطوم إلى صنعاء.

وما لم تُراجع هذه السياسات جذريًا، فإن المنطقة ستبقى رهينة لتنافس مدمر، لا يعرف سوى منطق القوة، ولا يعترف إلا بمصالح ضيقة، فيما يُترك الشعوب لدفع ثمن صراع لا ناقة لها فيه ولا جمل.

اقرأ أيضًا : اليمن بين نار الحلفاء: الإمارات تشعل الانفصال والسعودية شريكة الدمار