في توقيت بالغ الحساسية، حذّر رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي من التداعيات الخطيرة للتحركات العسكرية الأحادية التي شهدتها محافظتا حضرموت والمهرة، معتبرًا أنها تشكّل تهديدًا مباشرًا لوحدة القرار العسكري والأمني وتقويضًا صريحًا لهيبة الدولة ومركزها القانوني. جاءت هذه التحذيرات خلال لقاء جمعه بسفير الولايات المتحدة لدى اليمن، في محاولة واضحة لوضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته تجاه ما يجري شرق البلاد، حيث تتصاعد المخاوف من انزلاق الوضع نحو مواجهة مفتوحة داخل معسكر “الشرعية” نفسه.

مكافحة الإرهاب… ذريعة لفرض الأمر الواقع

شدّد العليمي على أن ملف مكافحة الإرهاب قرار سيادي لا يحق لأي طرف توظيفه خارج مؤسسات الدولة، مشيرًا إلى أن القوات اليمنية حققت نجاحات ملموسة في هذا المجال بدعم دولي وإقليمي. غير أن الأخطر، بحسب العليمي، هو استخدام هذا العنوان كغطاء لفرض أمر واقع بالقوة، وتقويض مؤسسات الدولة، وتحويل المحافظات الشرقية إلى مناطق نفوذ لميليشيات مسلحة تعمل خارج الإطار الدستوري.

حضرموت والمهرة… قلب الصراع السيادي

لم يكن تحذير العليمي سياسيًا فقط، بل اقتصاديًا أيضًا. فقد نبّه إلى أن أي اضطراب أمني في حضرموت والمهرة سيؤدي إلى تعطيل تصدير النفط، وعرقلة دفع المرتبات، ما يعني ضرب ما تبقى من مقومات بقاء الدولة. فالمحافظتان تشكّلان ثقلًا جغرافيًا واقتصاديًا حاسمًا، والسيطرة عليهما بالقوة تفتح الباب أمام سيناريوهات تقسيم خطيرة.

طلب سيادي وخلاف داخل التحالف

أوضح العليمي أن مطالبة القوات الإماراتية بالمغادرة، بعد انحرافها عن أساسيات تحالف دعم الشرعية، هو مطلب سيادي طبيعي يهدف إلى حماية فكرة التحالف وصون الأمن القومي اليمني والسعودي. هذا التصريح حمل دلالات سياسية عميقة، إذ وضع أبوظبي في موقع الطرف المتهم بتقويض التحالف من الداخل، عبر دعم ميليشيا انفصالية تسعى لفرض مشروعها بالقوة.

استجابة محدودة وواقع ميداني معقّد

على الأرض، بدت الاستجابة لقرارات الدولة شبه شكلية. محافظ حضرموت سالم الخنبشي أقرّ بأن استجابة الميليشيا الانفصالية لطلب الانسحاب لا تزال محدودة، مطالبًا بسحب قواتها من المحافظة وإعادتها من حيث جاءت، تجنبًا لإراقة الدماء. في المقابل، تؤكد مصادر محلية وصحفية أن تلك القوات لا تزال متمركزة في مواقعها، بينما تتأهب قوات “درع الوطن” لاستلامها، دون مؤشرات على انسحاب حقيقي.

ميليشيا انفصالية تتحدّى الدولة

في تصعيد لافت، جددت الميليشيا الانفصالية التابعة للمجلس الانتقالي الجنوبي رفضها قرارات العليمي، وأعلنت بقاء قواتها في مواقعها وجاهزيتها لمواجهة أي “تهديد”. وذهب ناطقها العسكري إلى توسيع المعركة لتشمل ما سماه “حرب وعي” في مواجهة الإعلام، في خطاب يعكس عقلية الميليشيات الخارجة عن سلطة الدولة، التي تبرر تمردها بشعارات حماية الشعب بينما تكرّس الانقسام والفوضى.

شحنات سلاح وقصف يكشف المستور

التطور الأخطر تمثل في إعلان التحالف العربي بقيادة السعودية قصف شحنات أسلحة وعربات قتالية وصلت إلى ميناء المكلا على متن سفينتين قادمتين من ميناء الفجيرة. هذا الإعلان كشف حجم التورط الإماراتي في تسليح الميليشيا الانفصالية، رغم النفي الرسمي الصادر عن أبوظبي. كما أكدت السعودية أن أمنها القومي “خط أحمر”، متهمة الإمارات بدفع هذه الميليشيا لتنفيذ عمليات عسكرية قرب حدودها.

نفي إماراتي لا يغيّر الوقائع

في محاولة لاحتواء التصعيد، نفت الخارجية الإماراتية الاتهامات، وأعلنت وزارة الدفاع إنهاء مهام “ما تبقى من فرق مكافحة الإرهاب” في اليمن. غير أن هذه التصريحات بدت، بالنسبة لكثير من المراقبين، محاولة تجميل سياسي لا تنسجم مع الوقائع الميدانية، حيث يستمر النفوذ الإماراتي عبر الوكلاء المحليين، وعلى رأسهم الميليشيا الانفصالية.

أزمة سيادة مفتوحة على كل الاحتمالات

في المحصلة، تكشف تطورات حضرموت والمهرة عن صراع سيادة حقيقي بين دولة تحاول استعادة قرارها، وميليشيا انفصالية مدعومة إماراتيًا تمارس الإجرام السياسي والعسكري لفرض مشروع تقسيمي. وبين تحذيرات العليمي ومواقف المجتمع الدولي المترددة، يبقى اليمن مهددًا بمزيد من التفكك، فيما تستمر أبوظبي في لعب دور المخرّب من خلف الستار، على حساب وحدة البلاد وأمن المنطقة.

اقرأ أيضًا : محور الفوضى المقنّعة: كيف تقود الإمارات الانقلابات من شمال أفريقيا إلى الخليج