أعادت القوات الحكومية اليمنية، مساء السبت، انتشارها في مدينة الغيظة، عاصمة محافظة المهرة، في تطور ميداني لافت يعكس تحوّلًا في موازين القوة شرق البلاد، ويضع حدًا لمحاولة جديدة فرضتها ميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالية للسيطرة على المحافظة بالقوة، ضمن مسار أوسع يستهدف تقويض سلطة الدولة وتكريس واقع انفصالي مدعوم خارجيًا.
إعادة الانتشار لم تكن مجرد خطوة أمنية محدودة، بل حملت دلالات سياسية عميقة، خاصة أنها جاءت بعد انسحاب قوات الانتقالي من مواقع سيادية حساسة، أبرزها القصر الجمهوري ومطار الغيظة، اللذين سيطرت عليهما الميليشيا منذ ديسمبر/كانون الأول الماضي في تحدٍّ صريح للشرعية ومؤسسات الدولة.

انسحاب الانتقالي… تراجع اضطراري لا خيار سياسي
وفق الرواية الرسمية، فإن انسحاب ميليشيا الانتقالي من الغيظة جاء بعد ضغوط سياسية وأمنية متراكمة، وليس نتيجة “تفاهمات” أو تسويات. فالقوات الحكومية استعادت المقرات والمؤسسات الرسمية، في خطوة هدفت إلى تطبيع الأوضاع ومنع انزلاق المهرة إلى سيناريو الفوضى الذي شهدته محافظات جنوبية أخرى.
الصمت الذي التزمه المجلس الانتقالي عقب الانسحاب يكشف حجم الارتباك داخل صفوفه، خاصة بعد خسائر متزامنة في حضرموت وشبوة. فالميليشيا التي اعتادت فرض الأمر الواقع بالسلاح، وجدت نفسها هذه المرة أمام معادلة مختلفة، مع تراجع الغطاء السياسي والعسكري الذي وفر لها هامش الحركة خلال السنوات الماضية.
المهرة… محافظة خارج مشروع التفكيك
تكتسب محافظة المهرة خصوصية سياسية وجغرافية جعلتها هدفًا مباشرًا لمحاولات الاختراق. فالمحافظة، الحدودية مع سلطنة عُمان، ظلت بعيدة نسبيًا عن الاستقطاب العسكري، وتحافظ على نسيج اجتماعي متماسك يرفض عسكرة الخلافات وتحويل المحافظة إلى ساحة صراع بالوكالة.
لهذا السبب، شكّلت المهرة عائقًا أمام مشروع التفكيك الجنوبي الذي يقوده المجلس الانتقالي بدعم إماراتي. السيطرة على مطار الغيظة والمقرات السيادية لم تكن خطوة عشوائية، بل جزءًا من استراتيجية تهدف إلى تطويق القرار المحلي، وفرض نفوذ أمني يفتح الطريق أمام ترتيبات إقليمية تتجاوز إرادة أبناء المحافظة.
حضرموت تغيّر المعادلة
تزامن انسحاب الانتقالي من المهرة مع تراجع واضح لقواته في محافظة حضرموت، حيث اندلعت مواجهات واسعة مع القوات الحكومية، مدعومة بإسناد جوي من تحالف دعم الشرعية. وأسفرت الاشتباكات عن استعادة مواقع عسكرية ونفطية حساسة، بينها مطار سيئون الدولي، ما شكّل ضربة موجعة للمشروع الانفصالي في واحدة من أهم المحافظات اليمنية.
كما أعلنت قوات حماية حضرموت الموالية للحكومة تأمين القصر الرئاسي في سيئون، في رسالة سياسية واضحة بأن الوادي والصحراء خط أحمر، وأن محاولات تفكيك حضرموت أو إخضاعها لميليشيات مناطقية لن تمر دون مواجهة.
الدور الإماراتي… إدارة الفوضى لا دعم الاستقرار
لا يمكن قراءة ما جرى في الغيظة وحضرموت بمعزل عن الدور الإماراتي، الذي شكّل العمود الفقري لصعود المجلس الانتقالي. فالإمارات، التي رفعت شعار “مكافحة الإرهاب”، أسهمت عمليًا في تفريخ ميليشيات مسلحة خارج إطار الدولة، ومنحتها التمويل والتدريب والسلاح، لتتحول إلى أدوات لفرض أجندة انفصالية تهدد وحدة اليمن.
هذا الدور لم يكن يومًا داعمًا للاستقرار، بل قائمًا على إدارة الصراع وتغذية الانقسامات، بما يضمن بقاء القرار السيادي اليمني مرتهنًا، ويحول الجنوب إلى رقعة نفوذ خاضعة للتجاذبات الإقليمية، لا لمؤسسات دولة مستقلة.
السعودية بين الاحتواء والحسم
في المقابل، أظهرت السعودية خلال الأيام الماضية موقفًا أكثر وضوحًا في رفض الانفلات العسكري. فقد دعت الرئاسة اليمنية، بدعم إقليمي، المجلس الانتقالي إلى إلقاء السلاح وتغليب المصلحة الوطنية، في وقت رحّبت فيه الرياض بتحركات السلطات المحلية في شبوة، وسعيها لضمان الاستقرار ومنع تمدد الصراع.
هذا التحول يعكس إدراكًا متزايدًا بأن استمرار العبث الإماراتي عبر وكلاء محليين لم يعد يخدم حتى أهداف التحالف، بل يهدد بتحويل الجنوب إلى بؤرة صراع مفتوحة.
ما بعد الغيظة… اختبار الدولة
إعادة انتشار القوات الحكومية في الغيظة تمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة الدولة على فرض سيادتها، ليس فقط عسكريًا، بل سياسيًا وإداريًا. فنجاح الخطوة مرهون بإنهاء منطق الميليشيات، ووقف سياسة إدارة اليمن عبر وكلاء مسلحين، وإعادة الاعتبار لمشروع الدولة الواحدة.
المعركة لم تعد بين شمال وجنوب، بل بين دولة تحاول استعادة قرارها، ومشروع تفتيت يُدار من الخارج. وفي هذا السياق، تبقى الغيظة رسالة واضحة: السيطرة بالسلاح قد تفرض أمرًا واقعًا مؤقتًا، لكنها لا تصنع شرعية ولا تبني دولة.
اقرأ أيضًا : بلطجة الرئيس الأمريكي.. ترامب يعلن اعتقال مادورو