شهد شرق اليمن خلال الساعات الماضية تطورًا لافتًا تمثّل في بسط القوات الحكومية سيطرتها على محافظتي حضرموت والمهرة، في لحظة سياسية وعسكرية حسّاسة تعكس صراع النفوذ داخل معسكر «الشرعية» ذاته.
فقد أعلن مسؤولون يمنيون اكتمال انتشار قوات «درع الوطن» في مديريات وادي حضرموت والصحراء، ودخولها مدينة المكلا، مع تأمين مطار سيئون والمرافق السيادية، في وقتٍ تراجع فيه نفوذ ميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي الذي لطالما فرض أمرًا واقعًا بقوة السلاح والدعم الخارجي. غير أن هذا التحول، رغم أهميته، لا يمكن قراءته بمعزل عن دور الراعيين الإقليميين—الرياض وأبوظبي—اللذين شكّلا على مدار سنوات «محور الشر» في هندسة الفوضى اليمنية، عبر إدارة الصراع لا حله.

حضرموت: الحسم الميداني وحدود الاستقرار
إعلان محافظ حضرموت اكتمال تأمين المديريات وانتشار قوات الحكومة في المواقع الحيوية، بما فيها مطار سيئون، أعاد رسم خريطة السيطرة في أكبر محافظات اليمن وأكثرها حساسية اقتصاديًا وجغرافيًا.
سيطرة القوات الحكومية على مطار الريان في المكلا—وفق مصادر ميدانية—تمنح الدولة نافذة سيادية طالما سُحبت منها لصالح تشكيلات مسلحة مرتبطة بأجندات انفصالية. وفي سيئون، حُسم الوضع بعد اشتباكات مع عناصر الانتقالي، في دلالة على هشاشة مشروع الميليشيا حين تُسحب عنه المظلة الجوية والسياسية. ومع ذلك، يبقى السؤال: هل يكفي الانتشار العسكري وحده لضمان استقرار دائم، أم أننا أمام جولة جديدة من إعادة التموضع بانتظار أوامر الخارج؟
المهرة: انسحاب «منضبط» أم صفقة مؤقتة؟
في المهرة، جرى تسليم المواقع الحيوية—بما فيها القصر الجمهوري ومطار الغيضة—لقوات «درع الوطن» بعد انسحاب عناصر الانتقالي، وسط حديث رسمي عن «عملية استلام وتسليم سليمة».
هذا الوصف، وإن بدا مطمئنًا، يثير تساؤلات حول طبيعة الصفقة: هل هو انسحاب تكتيكي لتخفيف الضغط، أم إقرار ضمني بفشل مشروع الميليشيا في بيئة قبلية رفضت التفكيك والوصاية؟ المؤكد أن المهرة، بحساسيتها الحدودية، ظلت ساحة اختبار لنفوذ خارجي حاول فرض معادلات بالقوة، لكنه اصطدم بتوازنات محلية عصيّة.
الرياض ترعى الحوار… والانتقالي يبتسم
ترحيب الانتقالي بدعوة السعودية إلى رعاية حوار «بشأن الجنوب» يشي بتناقض فاضح: ميليشيا انفصالية تُرحّب بحوار ترعاه الدولة التي قادت حربًا زعمت فيها دعم «الشرعية» ووحدة اليمن.
بيان ميليشيا الانتقالي الذي اشترط الاعتراف بإرادة «شعب الجنوب» وضمانات دولية واستفتاء، ليس سوى محاولة لإعادة تسويق مشروع التقسيم تحت سقف تفاوضي، بعدما تلقّى ضربات ميدانية. هنا، تبدو الرياض حريصة على إدارة الخلافات لا تصفيتها، بما يحفظ نفوذها ويمنع انفلات الأوراق، حتى لو كان الثمن إطالة أمد الأزمة.
الإمارات: الراعي الخفي للميليشيات
لا يمكن فصل تراجع الانتقالي عن موقف الإمارات، الداعم الأبرز لتشكيلاته وتسليحه وتمويله. أبوظبي، التي قدّمت نفسها شريكًا في «مكافحة الإرهاب»، بنت في الواقع شبكة ميليشيات عابرة للدولة، من عدن إلى سقطرى، لتأمين نفوذ بحري وموانئ وممرات. ومع كل تغيير ميداني، تتقن الإمارات لعبة الصمت التكتيكي، بانتظار لحظة تعويض النفوذ سياسيًا على طاولة الحوار التي ترعاها الرياض.
رسائل القيادة والتحركات السياسية
اتصالات رشاد العليمي بمحافظي حضرموت والمهرة، وحديثه عن حماية السلم الأهلي ومنع الانتهاكات، تعكس إدراكًا رسميًا لخطورة الانفلات. كما أن مباحثات عضو مجلس القيادة طارق محمد صالح في الرياض مع وزير الدفاع السعودي تحمل دلالة على إعادة ترتيب الأولويات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، لكن دون مراجعة جذرية لدور الرعاة الإقليميين في صناعة الانقسام.
خلاصة: كبح الميليشيا لا يكفي
ما جرى في حضرموت والمهرة خطوة مهمّة لكبح ميليشيا الانتقالي الانفصالية، لكنها تظل ناقصة ما لم تُفكَّك منظومة «محور الشر» السعودي-الإماراتي التي غذّت الانقسام، وموّلت الميليشيات، وبدّلت عناوين الحرب. اليمن لا يحتاج حوارًا لإدارة الأزمة، بل مسارًا وطنيًا مستقلًا يستعيد الدولة، ويُنهي الوصاية، ويُحاسب من حوّل الجغرافيا إلى أوراق تفاوض. دون ذلك، سيظل كل «حسم» مؤقتًا، وكل «انسحاب» قابلًا للارتداد.
اقرأ أيضًا : ميليشيا الدعم السريع تستهدف كهرباء شمال كردفان.. حرب خدمات ببصمات إماراتية