تفجّرت في اليمن فضيحة وُصفت بالمدوّية، بعد الكشف عن إخفاء أسلحة ومتفجرات داخل مقر تابع للهلال الأحمر الإماراتي في محافظة حضرموت، في وقت كانت فيه الإمارات تقدّم هذا المقر للرأي العام المحلي والدولي باعتباره مركزًا للعمل الإنساني والإغاثي. الواقعة أعادت فتح ملف بالغ الخطورة حول توظيف “العمل الخيري” كغطاء لأنشطة أمنية وعسكرية، ودوره في تعميق الفوضى ودعم الميليشيات ودعوات الانفصال في اليمن.

غطاء إنساني لأنشطة مشبوهة

وفق مصادر محلية مطّلعة، جرى العثور على كميات من الأسلحة والمتفجرات مخبأة داخل مرافق تابعة للمقر الإغاثي، ما يناقض بصورة صارخة طبيعة الدور المعلن للمنظمة. هذه المعطيات لا تطرح فقط أسئلة حول خرق قواعد العمل الإنساني، بل تُثير شكوكًا أعمق بشأن تحوّل بعض المنظمات “الخيرية” إلى واجهات لوجستية تُدار من خلالها عمليات تهريب وتسليح وتنسيق ميداني لصالح جماعات مسلحة.

العمل الإنساني، بحسب القانون الدولي والمبادئ الأممية، يقوم على الحياد وعدم الانحياز، وحماية المدنيين وتخفيف معاناتهم. غير أن تحويل مقرات الإغاثة إلى مخازن أسلحة يقوّض الثقة في كامل المنظومة الإنسانية، ويعرّض العاملين الحقيقيين في المجال للخطر، ويحوّل المحتاجين إلى رهائن في صراع النفوذ.

الجدير بالذكر أن الإمارات وأبواقها الإعلامية كانت أول من اتهم الفلسطينيين بإخفاء أسلحة داخل الخيام والمستشفيات في قطاع غزة والآن تقوم هي بالعمل المشبوه من أجل أهداف خبيثة.

حضرموت في مرمى العبث

تأتي الفضيحة في سياق حساس تعيشه حضرموت، المحافظة الأكبر مساحةً والأغنى موارد، والتي تحوّلت خلال السنوات الأخيرة إلى ساحة صراع نفوذ إقليمي. فالإمارات، وفق اتهامات يمنية متكررة، سعت إلى بسط نفوذها عبر دعم تشكيلات مسلحة خارج إطار الدولة، واستغلال الغطاء الإغاثي لكسب الحاضنة الاجتماعية وتثبيت حضور أمني وعسكري غير معلن.

ويرى مراقبون أن اكتشاف أسلحة داخل مقر إغاثي ليس حادثًا عابرًا، بل حلقة ضمن نمط أوسع: عسكرة العمل الإنساني، وتفريغه من مضمونه الأخلاقي، واستخدامه كوسيلة لاختراق المجتمعات المحلية وفرض وقائع سياسية على الأرض.

دعم الميليشيات ودعوات الانفصال

لطالما وُجهت للإمارات اتهامات بدعم ميليشيات محلية في جنوب اليمن وشرقه، وتغذية مشاريع انفصالية تقوّض وحدة البلاد. وفي هذا الإطار، يُقرأ توظيف العمل الخيري كجزء من استراتيجية “القوة الناعمة المسلحة”: مساعدات مشروطة، شبكات ولاء، ثم تسليح وتدريب تحت الطاولة.

هذا المسار، بحسب محللين يمنيين، أسهم في إضعاف مؤسسات الدولة الشرعية، وخلق سلطات أمر واقع متناحرة، وزرع بؤر توتر دائمة تُبقي اليمن في حالة عدم استقرار مزمنة، بما يخدم أجندات إقليمية على حساب السيادة الوطنية.

خرق فاضح للقانون الدولي

إخفاء أسلحة داخل منشآت إنسانية يُعد خرقًا جسيمًا لمبادئ القانون الدولي الإنساني، وقد يرقى إلى جرائم خطيرة إذا ثبت تعريض المدنيين للخطر أو استخدام المرافق الإنسانية كأهداف عسكرية محتملة. كما أن هذه الممارسات تُسيء إلى سمعة العمل الإغاثي برمّته، وتُعرّض المنظمات المحايدة للشك والاستهداف.

حقوقيون حذّروا من أن استمرار الإفلات من المحاسبة سيشجّع على تكرار هذه الانتهاكات، مطالبين بتحقيق دولي مستقل يكشف حقيقة ما جرى، ويحدد المسؤوليات، ويضمن عدم استخدام المساعدات الإنسانية كسلاح سياسي أو أمني.

أسئلة بلا إجابات

تطرح الفضيحة أسئلة ملحّة: من أمر بإخفاء الأسلحة؟ ولأي جهة كانت مخصّصة؟ وهل جرى استخدام مقرات إغاثية أخرى لأغراض مماثلة؟ والأهم: كيف ستُستعاد الثقة في العمل الإنساني بعد هذا الانكشاف الخطير؟

في بلد يعاني واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، يحتاج اليمن إلى مساعدات حقيقية غير مسيّسة، لا إلى شبكات تُغذّي الصراع تحت لافتات الرحمة. إن تحويل الإغاثة إلى أداة للنفوذ والهيمنة ليس فقط جريمة أخلاقية، بل وقودٌ إضافي لحربٍ لم تعد تحتمل مزيدًا من العبث.

خلاصة

تكشف فضيحة حضرموت عن وجهٍ مظلم لتوظيف “العمل الخيري” في خدمة مشاريع عسكرية وانفصالية، وتؤكد أن إجرام الإمارات في اليمن لم يقتصر على الدعم العسكري غير المباشر، بل تمدّد إلى تلويث الفضاء الإنساني ذاته. وبينما يدفع اليمنيون الثمن دمًا وتمزقًا، يبقى كشف الحقيقة والمحاسبة شرطًا أساسيًا لوقف هذا الانحدار، وحماية ما تبقى من معنى للعمل الإنساني.

اقرأ أيضًا : إجرام الاحتلال يتواصل رغم الهدنة… حماس تتهم إسرائيل بتوسيع خروقات وقف إطلاق النار في غزة