شهدت العاصمة اليمنية المؤقتة عدن خلال الساعات الماضية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، ترافقت مع تحركات عسكرية مكثفة نفذتها ميليشيا المجلس الانتقالي الجنوبي المدعومة من الإمارات، في مشهد يعكس تصاعد التوتر داخل المدينة، وسط مخاوف من انزلاق الأوضاع نحو مواجهة مسلحة تهدد ما تبقى من استقرار هش.

وبحسب مصادر محلية وشهود عيان، سُمع دوي إطلاق نار وانفجارات متقطعة في مديريتي كريتر وخور مكسر، تزامنًا مع تحليق طائرات من دون طيار في أجواء المدينة، لا سيما قرب قصر معاشيق الرئاسي، مقر الحكومة المعترف بها دوليًا. وأفادت المصادر بأن عناصر تابعة للانتقالي حاولت اعتراض هذه الطائرات، مرجحة أن تكون في مهمة استطلاع ورصد للتحركات العسكرية داخل عدن.

تحركات ميدانية وإخلاء معسكرات

في موازاة ذلك، لوحظ نشاط لافت داخل معسكرات الميليشيا الانفصالية، حيث شوهدت شاحنات عسكرية تنقل عربات وأسلحة وذخائر إلى خارج المدينة. ووفق الترجيحات، فإن هذه القوافل اتجهت نحو محافظتي لحج والضالع، المعقلين الرئيسيين لقيادات الانتقالي، في خطوة فسرتها مصادر عسكرية بأنها محاولة لإعادة التموضع تحسبًا لأي تقدم محتمل لقوات حكومية باتجاه عدن.

كما أغلقت ميليشيا الانتقالي منطقة “جولدمور” الساحلية في التواهي، حيث توجد مقرات المجلس ومنازل قيادات بارزة فيه، بينها رئيسه عيدروس الزبيدي، ورئيس جهاز ما يسمى بمكافحة الإرهاب شلال شائع. وتزامن الإغلاق مع أنباء غير مؤكدة عن ضربات جوية محتملة تستهدف مواقع حساسة للانتقالي، ما زاد من حالة القلق والترقب في أوساط السكان.

اتهامات رسمية بنقل السلاح ونهب القصر

على الصعيد الرسمي، وجّه وزير الإعلام والثقافة والسياحة في الحكومة اليمنية، معمر الإرياني، اتهامات مباشرة لميليشيا الانتقالي بنقل العتاد والأسلحة من قاعدة “جبل حديد” ومعسكرات أخرى في عدن إلى محافظة الضالع. واعتبر الإرياني أن هذه التحركات تعكس إصرارًا على المضي في “مسار خطير” يهدد الأمن والاستقرار ويخلط الأوراق في مرحلة شديدة الحساسية.

وأضاف الوزير أن هذه التحركات ترافقت مع تقارير عن أعمال نهب طالت معدات وأجهزة من قصر معاشيق، في مؤشر خطير على اتساع دائرة العبث بالمؤسسات السيادية وغياب أي شعور بالمسؤولية تجاه الممتلكات العامة، محذرًا من أن ذلك يفتح الباب أمام الفوضى والانفلات.

الإمارات ودور “الرعاية الخبيثة”

يرى مراقبون أن ما يجري في عدن لا يمكن فصله عن الدور الإماراتي، الذي يوصف على نطاق واسع بأنه “خبيث” ومزعزع للاستقرار، عبر رعاية ميليشيات مسلحة خارج إطار الدولة، ودعم مشاريع انفصالية تُقوض وحدة اليمن. فالإمارات، بحسب هذه القراءات، تستخدم الانتقالي كأداة نفوذ لفرض أمر واقع في الجنوب، والتحكم بالموانئ والممرات البحرية، ولو كان الثمن إشعال صراع داخلي جديد.

ويحذر محللون من أن نقل الأسلحة والعتاد إلى خارج عدن، في ظل غياب رقابة الدولة، قد يفتح مسارات خطرة لتسرب السلاح إلى جماعات مسلحة أخرى، بما فيها جماعة الحوثي، وهو ما يعيد إنتاج التهديدات ذاتها التي يدفع اليمنيون ثمنها منذ سنوات.

دعوات للوقف الفوري وتحذير من الانفجار

كانت الحكومة اليمنية قد دعت، الاثنين، ميليشيا الانتقالي إلى الوقف الفوري لنقل الأسلحة والذخائر، بما فيها الثقيلة والمتوسطة، من عدن إلى مناطق أخرى، معتبرة أن هذه الخطوة تمثل تهديدًا مباشرًا للأمن الوطني. كما جددت ثقتها بقوات “درع الوطن” في بسط السيطرة وحماية المؤسسات العامة والخاصة، ومنع تهريب السلاح، وتعزيز هيبة الدولة.

في المحصلة، تعكس التطورات الأخيرة في عدن مشهدًا معقدًا تتداخل فيه الحسابات المحلية بالإقليمية، وتبرز فيه ميليشيا الانتقالي كعامل اضطراب رئيسي، مدعومًا بأجندة إماراتية لا تتورع عن دفع المدينة نحو حافة الانفجار. وبينما يترقب الشارع اليمني ما ستؤول إليه الأمور، يبقى السؤال مفتوحًا: هل تنجح الدولة في استعادة زمام المبادرة، أم تُترك عدن رهينة لمشاريع التفتيت والفوضى؟

اقرأ أيضا : ميليشيا الدعم السريع تقتل أطفال الأبيض.. بصمات الإمارات في حرب المسيّرات على المدنيين