أعلنت السلطات في المملكة العربية السعودية، الأربعاء، تنفيذ حكم الإعدام بحق ثلاثة مواطنين في منطقة القصيم، بعد إدانتهم بتهم قالت إنها “مرتبطة بالإرهاب”، في خطوة أعادت إلى الواجهة الجدل الحقوقي المتصاعد حول استخدام عقوبة الإعدام في المملكة، واتساع نطاق تطبيقها، وسط انتقادات دولية متزايدة بشأن غياب الضمانات القضائية والشفافية.

بيان رسمي وتهم ثقيلة
وقالت وزارة الداخلية السعودية في بيانها إن كلاً من ريّان يوسف الدبيخي، ومحمد سليمان الثويني، وعبد الرحمن إبراهيم العييري، أُدينوا بارتكاب “جرائم إرهابية”، شملت – بحسب الرواية الرسمية – الانضمام إلى تنظيم إرهابي خارجي، وصناعة المتفجرات، وحيازة الأسلحة والذخيرة الحية، إضافة إلى تمويل الإرهاب وإيواء منفذيه والتستر عليهم، بقصد الإخلال بأمن المجتمع واستقراره.
وأضاف البيان أن الحكم نُفذ “قتلًا تعزيرًا”، مؤكداً ما وصفه بـ”حرص الحكومة على استتباب الأمن وتحقيق العدل، وتنفيذ أحكام الشريعة الإسلامية بحق كل من يتعدى على الآمنين أو ينتهك حقهم في الحياة والأمن”.
غموض الإجراءات وتساؤلات العدالة
ورغم جسامة التهم المعلنة، أثار غياب التفاصيل المتعلقة بسير المحاكمة، وطبيعة الأدلة، وظروف التحقيق، تساؤلات متجددة لدى منظمات حقوقية حول مدى توافر شروط المحاكمة العادلة. ويشير حقوقيون إلى أن قضايا “الإرهاب” في السعودية غالبًا ما تُحاط بالسرية، مع تقييد حضور المراقبين المستقلين، وعدم السماح بالتغطية الإعلامية، ما يجعل من الصعب التحقق من نزاهة الإجراءات.
كما تتكرر شكاوى تتعلق بحرمان المتهمين من التواصل المبكر مع محامين مستقلين، وادعاءات باستخدام الاعترافات القسرية، وهي اتهامات تنفيها السلطات السعودية، لكنها تبقى حاضرة في تقارير دولية متعاقبة.
الإعدام كأداة ردع أم سياسة مفرطة؟
منذ مطلع العام الجاري، نفذت السلطات السعودية سبعة أحكام إعدام، شملت قضايا إرهاب وتهريب مخدرات وجرائم جنائية. إلا أن الأرقام الأبرز تعود إلى عام 2025، الذي شهد تنفيذ 356 حكم إعدام، في رقم قياسي غير مسبوق، وفق حصيلة أعدتها وكالة فرانس برس استنادًا إلى بيانات رسمية ومعلومات من منظمات حقوقية.
هذه الأرقام تضع السعودية في صدارة الدول المنفذة لعقوبة الإعدام عالميًا، وتفتح نقاشًا واسعًا حول ما إذا كانت هذه السياسة تحقق الردع المعلن، أم أنها تعكس اعتمادًا مفرطًا على العقوبة القصوى بدل البحث عن بدائل إصلاحية وعدلية أكثر شمولًا.
نظام التعزير وسلطة القاضي الواسعة
إحدى أبرز نقاط الجدل تتعلق بنظام “التعزير”، الذي يمنح القاضي صلاحيات تقديرية واسعة في تحديد العقوبات، بما فيها الإعدام، حتى في القضايا التي لا يرد فيها نص شرعي صريح بالقتل. ويرى منتقدون أن غياب قانون عقوبات مكتوب ومفصل يفتح الباب أمام تفاوت الأحكام، ويجعل مصير المتهمين مرهونًا بتقدير قضائي قد يختلف من قضية إلى أخرى.
وتعتبر منظمات حقوقية أن هذا الاتساع في السلطة القضائية، دون أطر قانونية دقيقة، يتعارض مع مبدأ اليقين القانوني، ويقوض الحق في محاكمة عادلة ومتوقعة النتائج.
انتقادات دولية وضغوط متزايدة
تواجه السعودية انتقادات حادة من منظمات دولية، بينها هيئات أممية، ترى أن استخدام عقوبة الإعدام، خاصة في قضايا لا ترقى إلى “أشد الجرائم خطورة”، يتناقض مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان، ومع الاتجاه العالمي المتصاعد نحو تقليص هذه العقوبة أو إلغائها.
ويحذر مراقبون من أن استمرار تنفيذ الإعدامات بوتيرة مرتفعة قد يفاقم الضغوط الحقوقية على المملكة، ويؤثر على صورتها الدولية، في وقت تسعى فيه لتقديم نفسها كشريك اقتصادي منفتح وجاذب للاستثمارات.
بين الأمن والإصلاح القضائي
في المقابل، تؤكد الحكومة السعودية أن الإعدامات تأتي في إطار حماية الأمن الوطني ومواجهة التهديدات الإرهابية، وأن جميع الأحكام تمر بمراحل تقاضٍ متعددة قبل تنفيذها. غير أن هذا التبرير لم ينجح في تهدئة الجدل، خاصة مع تكرار تنفيذ الأحكام دون نشر معلومات كافية عن حيثيات القضايا.
ويرى خبراء أن مكافحة العنف والتطرف تتطلب مقاربة أوسع، تشمل إصلاحات قانونية، وضمانات قضائية، وشفافية في المحاكمات، بدل الاكتفاء بعقوبة الإعدام كأداة ردع أساسية.
جدل مفتوح بلا أفق واضح
في المحصلة، يعيد إعدام ثلاثة مواطنين في القصيم فتح ملف عقوبة الإعدام في السعودية، ويؤكد أن الجدل حول استخدامها المفرط لا يزال مفتوحًا، في ظل دعوات حقوقية متصاعدة لوقف هذه السياسة، وإعادة النظر في منظومة العدالة الجنائية، بما ينسجم مع المعايير الدولية ويحد من اللجوء إلى العقوبة الأقصى.
اقرأ أيضًا : عام على اختفائه في الإمارات.. قمع عابر للحدود ومنظمات تطالب بكشف مصير عبد الرحمن القرضاوي