كشفت تقارير إعلامية إسرائيلية عن تباينات إقليمية حادة بشأن مستقبل قطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب، مع بروز موقف إماراتي رافض لأي دور تركي عسكري أو أمني داخل القطاع، في مقابل رهان سعودي–أمريكي متزايد على أنقرة كجزء من ترتيبات “اليوم التالي”. 

هذه الخلافات، وفق التقارير، لا تعكس مجرد تباين تكتيكي، بل صراعًا أعمق على النفوذ ورواية إدارة الصراع بما يخدم المصالح الإسرائيلية بالدرجة الأولى.

وبحسب ما أوردته قناة I24NEWS، فإن اللقاء المرتقب بين ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد يشكل نقطة تحول في النقاشات المتعلقة بترتيبات غزة الأمنية، مع تداول مقترح يسمح بوجود عسكري تركي داخل القطاع تحت غطاء “قوة حفظ سلام”، وهو ما تعتبره أطراف إقليمية، وعلى رأسها الإمارات، مسارًا محفوفًا بالمخاطر.

أنقرة على خط غزة… حسابات الردع والاحتواء

تشير التقارير الإسرائيلية إلى أن تركيا تسعى منذ سنوات لتكريس حضور سياسي وأمني في الملف الفلسطيني، مستندة إلى خطاب داعم لغزة وعلاقات مع حركة حماس. الجديد في الطرح الحالي هو محاولة تسويق الدور التركي كأداة “ردع ميداني”، حيث نقلت القناة عن مصدر سعودي قوله إن وجود قوات تركية قد يفرض معادلة جديدة تمنع انفجار الأوضاع، انطلاقًا من فرضية أن “حماس لن تجرؤ على مهاجمة قوات تركية”.

هذا الطرح، وفق القراءة الإسرائيلية، ينسجم مع حالة الإحباط داخل الإدارة الأمريكية من فشل أي صيغة تضمن استقرارًا طويل الأمد في غزة، ما يدفع واشنطن للبحث عن بدائل إقليمية، حتى وإن كانت مثيرة للجدل داخل إسرائيل نفسها.

“نزع سلاح شكلي” وتوسيع النفوذ التركي

التقديرات التي أوردتها التقارير تتحدث عن صيغة تُوصف إسرائيليًا بـ“نزع السلاح الشكلي”، تقوم على تغييرات رمزية في البنية العسكرية للمقاومة، مقابل تولي القوات التركية دور “حفظ السلام”. عمليًا، لا تؤدي هذه الصيغة إلى تفكيك جذري لقدرات المقاومة، لكنها تمنح أنقرة فرصة ذهبية لتعزيز نفوذها الإقليمي وتقديم نفسها كقوة مركزية في العالم الإسلامي، وهو ما تعتبره تل أبيب تهديدًا استراتيجيًا طويل المدى.

كما ترى إسرائيل أن أي تمدد تركي في غزة سيأتي على حساب الدور المصري التقليدي، ما يعيد خلط الأوراق في ملف ظل لعقود أحد أعمدة الأمن القومي المصري.

الإمارات: اصطفاف مع الرواية الإسرائيلية

في المقابل، أبدت الإمارات العربية المتحدة موقفًا رافضًا بشكل قاطع لهذا المسار. ونقلت التقارير عن مصدر إماراتي تحذيره من “عدم الثقة بتركيا وقطر” في إدارة ملف غزة، معتبرًا أن إشراكهما سيؤدي إلى تكريس نفوذ قوى تدعم فصائل المقاومة بدل احتوائها.

هذا الموقف، وفق محللين، لا ينفصل عن تبنّي أبوظبي للرواية الأمنية الإسرائيلية، التي ترى في تركيا طرفًا منحازًا لا وسيطًا محايدًا. بل إن الرفض الإماراتي يتجاوز التحفظ السياسي إلى محاولة نشطة لإقصاء الدور التركي، بما يفتح المجال أمام تمرير ترتيبات أمنية تتماشى مع أهداف الاحتلال: ضبط غزة أمنيًا، وإفراغ أي ترتيبات مستقبلية من بعدها السياسي المتعلق بإنهاء الاحتلال أو رفع الحصار.

فجوة سعودية داخلية وأجندة جديدة

التقارير الإسرائيلية لفتت كذلك إلى وجود انقسام داخل السعودية نفسها. ففي حين لا تزال شرائح من النخبة التقليدية تعتبر القضية الفلسطينية محورًا مركزيًا، يتبنى ولي العهد محمد بن سلمان مقاربة مختلفة، تركز على الاستقرار الإقليمي، والانخراط في ترتيبات جديدة مع واشنطن، حتى لو تطلب ذلك تجاوز أدوار عربية تقليدية أو فتح الباب أمام لاعبين إقليميين جدد.

تل أبيب: مرونة تكتيكية لا أكثر

من جانبها، تتعامل إسرائيل مع الطرح بمرونة حذرة. فقد ذكرت صحيفة معاريف أن تل أبيب لا ترفض الفكرة من حيث المبدأ، لكنها تشترط “تغييرًا تركيًا ملموسًا”، يشمل تراجعًا عن الخطاب المعادي لإسرائيل، وإعادة ضبط العلاقات الثنائية.

غير أن هذه المرونة، وفق المراقبين، تبقى تكتيكية، وتهدف أساسًا إلى شراء الوقت وتفكيك الضغوط الدولية، دون تقديم تنازلات جوهرية تمس جوهر المشروع الإسرائيلي في غزة.

صراع نفوذ تحت غطاء غزة

في المحصلة، تكشف التقارير الإسرائيلية أن الخلاف حول الدور التركي ليس خلافًا تقنيًا، بل صراع نفوذ إقليمي، تلعب فيه الإمارات دورًا محوريًا في دعم الرؤية الإسرائيلية وإقصاء أي مسار قد يمنح غزة هامش استقلال سياسي أو أمني. وبين رهان سعودي–أمريكي على التهدئة، ورفض إماراتي متشدد، وحسابات إسرائيلية دقيقة، تبقى غزة ساحة مفتوحة لإعادة إنتاج الأزمة، لا حلها.

اقرأ أيضًا : الإمارات تؤجج الفوضى.. ميليشيا الانتقالي تستنفر في عدن وتُطلق النار قرب القصر الرئاسي