في شهادة فكرية وإنسانية نادرة، روى الباحث والمحلل النفسي اليهودي الفرنسي جيرار حداد رحلته الطويلة من التماهي الكامل مع السردية الصهيونية إلى تبني موقف مناصر للقضية الفلسطينية، كاشفًا عن تحولات عميقة بدأت منذ الطفولة، وبلغت ذروتها بعد تجربة شخصية صادمة داخل إسرائيل نفسها، ثم تبلورت مع مشاهد العدوان على غزة وما كشفه من طبيعة المشروع الصهيوني بوصفه مشروعًا استعماريًا عنيفًا.
تنشئة صهيونية مبكرة
يستعيد حداد بدايات تشكّله الفكري في تونس، حيث وُلد وترعرع داخل بيئة يهودية مشبعة بالأفكار الصهيونية. يقول إنه دخل عالم الصهيونية في سن مبكرة جدًا، بين الثامنة والتاسعة من عمره، في ظل وجود حركات صهيونية قوية ونشطة آنذاك. هذه الحركات، بحسب روايته، قدّمت سردية جاهزة تقوم على ادعاء السعي للسلام مقابل تصوير الفلسطينيين كإرهابيين يرفضون التعايش، وهي رواية لم يكن الطفل الصغير يملك أدوات تفكيكها أو التشكيك فيها.
من فرنسا إلى “إسرائيل”: الصدمة الأولى
لاحقًا، انتقل حداد إلى فرنسا، حيث درس الطب وعمل في الزراعة، قبل أن تتيح له الظروف فرصة العمل في مستشفى القدس داخل إسرائيل. هناك، بدأت أولى الشقوق العميقة في يقينياته. يصف تلك المرحلة بأنها صادمة إلى حد لا يُحتمل، إذ اصطدم بواقع مغاير تمامًا للصورة الوردية التي تلقاها في طفولته. فقد وجد نفسه مهمشًا، براتب بائس، ثم طُرد من عمله في أول يوم بحجة قطع التمويل الحكومي، رغم كونه يهوديًا يعمل داخل مؤسسة إسرائيلية.
هذه التجربة الشخصية القاسية دفعته إلى طرح سؤال وجودي حاسم: إذا كان هذا هو مصير يهودي داخل هذا النظام، فكيف يكون حال الفلسطيني الذي يُسلب حقه وأرضه وإنسانيته؟ هنا، بحسب حداد، بدأ الانهيار الداخلي للسردية الصهيونية التي طالما دافع عنها.
اكتشاف الطبيعة الاستعمارية للصهيونية
مع الوقت، توصّل حداد إلى قناعة فكرية مفادها أن الصهيونية لم تكن، كما صُوّرت له، حركة خلاص أو حماية لليهود، بل مشروعًا استعماريًا دبرته القوى الغربية للسيطرة وإعادة تشكيل المنطقة. يعترف بأن تصديق هذا التحول لم يكن سهلًا، وأنه مرّ بأزمة نفسية حادة، وصلت إلى التفكير بالانتحار، نتيجة تصادم القناعات القديمة مع الواقع الجديد.
نقطة التحول: الانتفاضة والعنف الداخلي
يشير حداد إلى أن نقطة التحول المفصلية جاءت خلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى، حين التقى بحاخام يُدعى إشايي أوليموفيتش، كان يندد علنًا بقتل الأطفال الفلسطينيين. هذا اللقاء فتح عينيه على عنف بنيوي متجذر داخل المجتمع الإسرائيلي، لا يقتصر على الفلسطينيين فحسب، بل يمتد حتى داخل المجتمع اليهودي نفسه. ويرى أن هذا العنف ليس طارئًا، بل جزء من منطق الدولة التي قامت على الإقصاء والقوة.
غزة.. المختبر
يلعب قطاع غزة دورًا مركزيًا في التحول النهائي لحداد. فقد دفعه ما يجري هناك إلى تأليف كتابه “أركيولوجيا الإسرائيليات”، حيث يصف غزة بأنها مختبر مفتوح تُختبر فيه الأسلحة الحديثة وأساليب الحرب المتطورة، ليس فقط بقرار إسرائيلي، بل بتواطؤ غربي كامل. من وجهة نظره، ما يحدث في غزة ليس مجرد صراع عسكري، بل تجربة سياسية وأمنية لمعرفة حدود القمع الممكنة دون مساءلة.
نقد ادعاءات “معاداة السامية”
في ختام شهادته، يوجّه حداد نقدًا لاذعًا لمن يرفعون اليوم شعار “معاداة السامية” في وجه كل منتقد لإسرائيل. يقول إنه قرأ ودرس التراث العبري بعمق، وترجم سبعة كتب من العبرية، ويؤكد أن كثيرين ممن يتهمون الآخرين بكراهية اليهود لا يعرفون شيئًا حقيقيًا عن اليهودية. بل يذهب أبعد من ذلك حين يعتبر أن هؤلاء، بسلوكهم التبريري للجرائم، هم أكبر المسيئين لليهود أنفسهم، لأن “العجلة ستدور يومًا ما”.
تحوّل جيرار حداد، إذًا، لم يكن لحظة عاطفية عابرة، بل مسارًا طويلًا من الصدمة والمعرفة وإعادة التفكير. مسار يُظهر كيف يمكن للتجربة المباشرة، حين تقترن بالشجاعة الفكرية، أن تهدم أكثر الأيديولوجيات تجذرًا، وتعيد تعريف الموقف الأخلاقي من القضايا العادلة.
اقرا أيضًا : إلغاء الإضراب العام في تونس: أزمة اتحاد الشغل تتقاطع مع قمع السلطة وانسداد الأفق الاجتماعي