ما الذي يعنيه أن تضغط دولة متهمة بارتكاب جرائم حرب على دولة تُقدِّم نفسها كحامية للقانون الدولي، فتنجح في تغيير تشريعاتها لمنع ملاحقة المتورطين؟ هذا السؤال لم يعد نظريًا بعد الوثائق المسرّبة التي كشفتها صحيفة Declassified UK، والتي تؤكد أن إسرائيل شنت حملة ضغط استمرت أكثر من عشر سنوات داخل بريطانيا، هدفها الوحيد: حماية قادتها العسكريين والسياسيين من الاعتقال والمساءلة القضائية.

الوثائق لا تكشف حادثة عابرة، بل سياسة ممنهجة لتفريغ مبدأ “الولاية القضائية العالمية” من مضمونه، وتحويله من أداة لملاحقة مجرمي الحرب إلى نص قانوني معطّل يخضع للحسابات السياسية.

مطار هيثرو… اللحظة التي أرعبت تل أبيب

تعود جذور الفضيحة إلى سبتمبر/أيلول 2005، عندما اضطر الجنرال الإسرائيلي المتقاعد دورون ألموج إلى البقاء داخل طائرته في مطار هيثرو والعودة إلى إسرائيل، بعد صدور مذكرة اعتقال بحقه بتهم تتعلق بجرائم حرب في غزة.

كانت تلك أول مرة يشعر فيها مسؤول إسرائيلي رفيع بأن جرائم الاحتلال قد تطارده خارج فلسطين. لم ترَ تل أبيب في الحادثة فرصة لمراجعة سياساتها، بل اعتبرتها “كابوسًا سياسيًا” يجب منعه من التكرار بأي وسيلة.

من العدالة إلى الضغط السياسي المنظّم

بعد حادثة ألموج، أطلقت إسرائيل حملة ضغط دبلوماسية وقانونية مكثفة داخل بريطانيا. رسائل البريد الإلكتروني والمذكرات المسرّبة من وزارة العدل الإسرائيلية، بعد اختراق سيبراني أقرّت به تل أبيب رسميًا، تُظهر بوضوح أن الهدف لم يكن حماية “الإجراءات القانونية”، بل ضمان حرية حركة المسؤولين الإسرائيليين دون خوف من الاعتقال.

المطالبة المركزية كانت واضحة: لا مذكرات توقيف دون موافقة سياسية عليا، أي نقل القرار من يد القضاء إلى يد السلطة التنفيذية.

تشريع بريطاني على المقاس الإسرائيلي

في سبتمبر/أيلول 2011، استجابت حكومة ديفيد كاميرون للضغوط، ومررت تعديلًا قانونيًا يشترط موافقة مدير النيابات العامة قبل إصدار أي مذكرة اعتقال بموجب الولاية القضائية العالمية.

لم يكن الأمر سرًا؛ إذ قال وزير الخارجية البريطاني آنذاك ويليام هيغ صراحة:

“لا يمكننا أن نكون في وضع يشعر فيه السياسيون الإسرائيليون أنهم لا يستطيعون زيارة هذا البلد”.

بهذا التصريح، سقط قناع “الحياد”، وأُعلن رسميًا أن راحة مجرمي الحرب الإسرائيليين أولوية على حساب العدالة.

ليفني… حين فُصِّلت الحصانة لتفادي الاعتقال

رغم التعديلات، بقي القلق الإسرائيلي قائمًا. ففي أكتوبر/تشرين الأول 2011، واجهت وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني خطر الاعتقال أثناء زيارتها لندن بتهم جرائم حرب في غزة.

ووفق الوثائق المسرّبة، كان مدير النيابات العامة آنذاك كير ستارمر يدرس بجدية منح الموافقة، قبل أن تُمنح ليفني صفة “مهمة خاصة”، ما وفر لها حصانة دبلوماسية مؤقتة مكّنتها من الإفلات في اللحظة الأخيرة.

هكذا، لم يُعطَّل القانون فقط، بل جرى التحايل عليه بوضوح.

حوار سري لإفراغ القانون من محتواه

تكشف الوثائق عن تأسيس ما سُمّي “الحوار البريطاني–الإسرائيلي حول الولاية القضائية العالمية”، مع تعليمات إسرائيلية صريحة بعدم إخضاعه لقانون حرية المعلومات.

في هذه اللقاءات، طمأنت وزارة العدل البريطانية الإسرائيليين بأن شرط موافقة النيابات العامة أدى فعليًا إلى عدم صدور أي مذكرة توقيف، لا بحق إسرائيليين ولا غيرهم. أي أن القانون حُيّد عمليًا، والعدالة وُضعت في الثلاجة.

غزة في الخلفية… والعدالة تُغتال بصمت

تأتي هذه الفضيحة بينما أصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة اعتقال بحق بنيامين نتنياهو بتهم تتعلق بجرائم حرب وإبادة جماعية في غزة.

المفارقة أن ما حاولت إسرائيل تعطيله داخل بريطانيا، يعود اليوم على مستوى دولي أوسع، كاشفًا هشاشة كل محاولات الحماية السياسية.

الاحتلال لا يقتل فقط… بل يُفسد القانون

الهجوم على الاحتلال هنا ليس خطابًا عاطفيًا، بل موقفًا أخلاقيًا وسياسيًا. فالوثائق لا تكشف فقط جرائم ارتُكبت بحق الفلسطينيين، بل تكشف جريمة أخرى: إفساد منظومة العدالة الدولية نفسها.

حين يُسمح لدولة احتلال بأن تُعيد صياغة قوانين دول أخرى لحماية قادتها، يصبح الحديث عن “النظام الدولي القائم على القانون” خدعة كبرى. والسؤال الذي يبقى مفتوحًا:

إلى متى سيستمر الغرب في توفير الملاجئ السياسية والقانونية لمجرمي الحرب الإسرائيليين، بينما يُطلب من الضحايا الفلسطينيين انتظار عدالة لا تأتي؟

اقرأ أيضًا : ميليشا الدعم السريع يحاصر الأُبيّض بدعم إماراتي ويقصف سوق الدلنج