تصاعدت موجة التنديد الدولي بعد إقدام سلطات الاحتلال الإسرائيلي على هدم مبانٍ تابعة لوكالة الأونروا في القدس المحتلة، في خطوة وُصفت بأنها اعتداء سافر على مؤسسة أممية محمية بالقانون الدولي. بيان مشترك صدر عن بريطانيا وفرنسا وكندا ودول حليفة أخرى، أكد أن ما جرى يمثل انتهاكًا صارخًا لالتزامات دولة الاحتلال بموجب الاتفاقيات الدولية، ويقوّض منظومة الحماية الممنوحة لمقار الأمم المتحدة وموظفيها. وجاء هذا الموقف بعد أيام من توصيف الاتحاد الأوروبي للهدم بأنه “هجوم خطير” يضرب صميم الشرعية الدولية.

هدم بالقوة وفرض السيادة بالقسر

فجر الثلاثاء 20 كانون الثاني/يناير، اقتحمت قوة كبيرة من جيش الاحتلال مجمّع الأونروا في حي الشيخ جراح، ترافقها جرافات عسكرية، وحاصرت الشوارع المحيطة قبل الشروع في هدم مكاتب ومنشآت متنقلة داخل المقر. لم يقتصر المشهد على التخريب المادي، بل شمل رفع العلم الإسرائيلي داخل المجمع، في رسالة سياسية واضحة تهدف إلى فرض السيطرة بالقوة على مؤسسة أممية، وتكريس وقائع جديدة في مدينة تخضع للاحتلال وفق القانون الدولي. هذه الخطوة لم تكن معزولة، بل تأتي ضمن نمط متكرر من التضييق المنهجي على عمل الأونروا في القدس الشرقية.

القانون الدولي في مواجهة الغطرسة

شدّد المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي، في بيان صادر عن دائرة العمل الخارجي، على أن الدول الأعضاء في الأمم المتحدة ملزمة بحماية حرمة مقار المنظمة، وأن ما جرى يتعارض مع تلك الالتزامات. هذا التوصيف يضع الاحتلال في مواجهة مباشرة مع قواعد راسخة، أبرزها حصانات الأمم المتحدة وعدم جواز التعرض لممتلكاتها. غير أن الوقائع على الأرض تشير إلى استخفاف متواصل بهذه القواعد، في ظل غياب آليات ردع فعّالة، ما يشجع على تكرار الانتهاكات.

قطع الكهرباء: عقاب جماعي بغطاء إداري

ضمن مسلسل الانتهاكات، انتقلت سياسة التضييق من الهدم إلى خنق الخدمات. فقد أعلنت مسؤولة في مكتب إعلام الأونروا أن سلطات الاحتلال قطعت الكهرباء عن مركز تدريب قلنديا، الذي يضم 325 طالبًا من مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية. جرى التنفيذ خلال ثوانٍ، بقرار رسمي نُفذ عبر شركة الكهرباء، ما أدى إلى شلل كامل في العملية التعليمية. هذا الإجراء لا يمكن فصله عن سياق أوسع يستهدف تعطيل عمل الوكالة وإفراغها من دورها الحيوي في القدس.

شلّ الخدمات واستهداف الحق في التعليم

أوضحت الأونروا أن قطع الكهرباء يعني توقف التدريب المهني لمئات الطلبة، في منتصف العام الدراسي، دون بدائل مكافئة. ورغم وجود خطط طوارئ لنقل الطلبة إلى مراكز أخرى في الضفة الغربية، فإن ذلك لا يرقى إلى حل عملي، بسبب اختلاف البرامج والطاقة الاستيعابية والجودة. ومع انقطاع الماء سابقًا عن منشأة شعفاط، ثم الكهرباء لاحقًا، باتت خدمات الأونروا في القدس الشرقية شبه مشلولة، في مسعى واضح لدفع الوكالة إلى الانسحاب القسري.

مركز قلنديا: تاريخ ودور لا يُعوَّض

مدير المركز أكد أن منشأة التدريب المهني أُسست عام 1953 لتأهيل أبناء اللاجئين بين 15 و19 عامًا، وتقدم 16 برنامجًا في ثلاثة أقسام، إضافة إلى السكن الداخلي لطلبة المناطق البعيدة. هذه البرامج مصممة وفق احتياجات سوق العمل الفلسطيني، ويُعدّ المركز من أكبر الروافد بالفنيين المهرة. إغلاقه أو تعطيله لا يعني فقدان خدمة تعليمية فحسب، بل ضربة لفرص العمل والاستقرار الاجتماعي لشريحة واسعة من الشباب.

تشريع الإقصاء واستكمال الحصار

في تشرين الأول/أكتوبر 2024، أقر الكنيست قانونًا يحظر عمل الأونروا ويمنع التواصل الرسمي معها. هذا الإطار التشريعي وفّر غطاءً سياسيًا لإجراءات ميدانية قمعية، من الهدم إلى قطع الخدمات، في محاولة لتجفيف دور الوكالة في القدس وبقية الأراضي المحتلة. ورغم أن الأونروا تعمل حيث تعتبر الأمم المتحدة تلك الأراضي محتلة، فإن الاحتلال يواصل فرض قوانينه الأحادية لتقويض حضورها.

خاتمة: اختبار للضمير الدولي

ما يجري في القدس ليس نزاعًا إداريًا، بل جريمة سياسية وقانونية تستهدف مؤسسة أممية وحقوق لاجئين محميّة دوليًا. التنديد الدولي المتزايد يكشف عزلة الاحتلال، لكنه يظل ناقصًا دون إجراءات ملموسة توقف الإجرام، وتحمي التعليم والخدمات الأساسية. يبقى السؤال: هل يتحول الغضب الدبلوماسي إلى ضغط فعلي، أم يستمر الإفلات من العقاب؟

اقرأ أيضًا : تحريض ترامب يقود إلى العنف: محاولة اعتداء على إلهان عمر في مينيسوتا