شهدت أوروبا خلال السنوات الأخيرة تمددًا منظمًا للنفوذ الإماراتي داخل مؤسسات يُفترض أنها مستقلة، شمل الإعلام، ومراكز الأبحاث، وشركات الضغط، ووصل إلى مستويات أخطر داخل الأجهزة القانونية والرقابية. هذا التمدد لم يقم على الشفافية أو العمل الدبلوماسي التقليدي، بل على بناء شبكات تأثير مغلقة، وتوظيف المال السياسي، والاستعانة بشركات استخبارات خاصة، واختراق مسارات قانونية أوروبية حساسة، بما في ذلك آليات مكافحة غسل الأموال والبلاغات المالية. في فرنسا تحديدًا، بات هذا النفوذ أكثر وضوحًا، مع تصاعد قضايا يُستخدم فيها القانون كأداة تصفية وانتقام سياسي، لا كوسيلة لتحقيق العدالة، وهو ما تفضحه قضية سهام سويد بوصفها مثالًا صارخًا على هذا النمط المتكرر.
سهام سويد شرطية فرنسية سابقة من أصول تونسية، تعمل منذ عام 2015 في مجال الاتصال والعلاقات العامة عبر شركتها الخاصة “إي إل إن غروب”، ضمن نشاط مهني معلن وقانوني. غير أن اسمها تحوّل إلى هدف مباشر داخل منظومة النفوذ الإماراتي في أوروبا، ليس بسبب مخالفة قانونية، بل بسبب موقعها المهني وقدرتها على العمل داخل الفضاء الأوروبي بعيدًا عن السيطرة الإماراتية. استهدافها لم يكن وليد لحظة، بل نتيجة مسار انتقامي تراكمي اعتمد على التشهير، والوشايات، وتحريك بلاغات مالية، وصولًا إلى إدخال أجهزة الدولة الفرنسية نفسها في مواجهة غير متكافئة، استُخدمت فيها المداهمات والتوقيفات وتجميد الحسابات كوسيلة ضغط سياسي مقنّعة بإجراءات قانونية. ما جرى معها يعكس بوضوح كيف يعمل نظام محمد بن زايد على تحويل القانون الأوروبي إلى ساحة نفوذ، تُدار فيها الخصومات السياسية بأساليب انتقامية، وتُصفّى فيها الحسابات تحت غطاء مؤسسي.
في العاشر من ديسمبر 2025، نُفذت عملية أمنية واسعة في مدينة إيفري قرب باريس، شارك فيها عدد كبير من محققي الشرطة المالية، داهموا في وقت واحد منزل سهام سويد ومنزل ابنتها، وأوقفوا سويد وابنتها وزوج ابنتها، ووضعوهم تحت التحقيق لساعات طويلة، مع مصادرة ممتلكات شخصية ثمينة وحجز الحسابات المصرفية والخزائن. لم يكن المشهد إجراءً روتينيًا متدرجًا، بل عملية صادمة استُخدمت فيها أدوات القسر كاملة، ما أدى فعليًا إلى شلّ حياتها المهنية والمالية، وتحويل التحقيق ذاته إلى وسيلة عقاب وضغط يومي، حتى أصبحت غير قادرة على إدارة عملها أو الوصول إلى مواردها.
الملف الذي فُتح بحق سويد صيغ على أساس شبهة تتعلق بتدفقات مالية داخل شركتها بين عامي 2019 و2025، شملت مصاريف وتحويلات داخلية وأنشطة تعاقدية. لم يُطرح في التحقيق أي اتهام يتعلق بمصدر الأموال، ولم تُسجَّل شبهة تمويل غير مشروع، ولم يُربط النشاط المالي بأي عمل مخالف للقانون الفرنسي. ومع ذلك، جرى التعامل مع القضية بمنطق استعراضي، يراكم الإجراءات الثقيلة بدل البحث الهادئ، في نمط معروف من القضايا التي تُستخدم فيها السلطة الإجرائية لإنتاج أثر سياسي قبل أي نتيجة قضائية.
المدخل الحقيقي لهذا المسار كان البلاغ الذي قدمته وحدة تراكفين، وحدة رصد غسل الأموال وتمويل الإرهاب في فرنسا، في فبراير 2025. هذه الوحدة، التي يُفترض أنها تعمل بمعايير تقنية صارمة وبعيدًا عن الحسابات السياسية، تحولت في هذه القضية إلى نقطة عبور حساسة، أطلقت سلسلة من الإجراءات التي انتهت بمداهمات وتوقيفات وتجميد شامل. هذا الدور لا يمكن فصله عن سياق أوسع شهد خلاله جهاز تراكفين تقاربًا مؤسسيًا متزايدًا مع الإمارات، بلغ ذروته بتوقيع اتفاق تعاون رسمي مع وحدة الاستخبارات المالية الإماراتية في عام 2024، وهو اتفاق فتح قنوات تبادل معلومات مباشرة مع دولة معروفة باستخدام الأدوات المالية في صراعاتها السياسية الخارجية.
ما جرى مع سويد لم يكن سابقة معزولة، بل جاء ضمن نمط متكرر شهدته فرنسا خلال السنوات الأخيرة، حيث استُخدمت البلاغات المالية لاستهداف شخصيات عبّرت عن مواقف مناوئة للإمارات أو انتقدت سياساتها، قبل أن تُغلق القضايا لاحقًا دون إدانة، بعد أن تكون الأضرار السياسية والمهنية قد تحققت. في هذه القضايا، لا تكون الغاية الوصول إلى حكم، بل خلق مناخ من الشبهة والضغط والتشهير يكفي لإخراج المستهدف من المشهد أو تقليص هامش حركته.
قبل إدخال المسار القانوني، كانت الإمارات قد استخدمت أدوات أكثر مباشرة عبر شركة ألب سيرفيسز الاستخباراتية الخاصة، التي أدارت، بتمويل إماراتي، حملات تجسس وتشويه ضد عشرات الشخصيات والمنظمات في أوروبا، خصوصًا تلك المرتبطة بقطر أو المصنفة ضمن خصوم أبو ظبي السياسيين، وقد فُضحت هذه الحملات في تحقيق نشرته صحيفة “ميديابارت”. سهام سويد كانت من بين الأهداف المركزية لهذه الحملات، حيث خضعت لمراقبة لصيقة، وتصوير قرب مسكنها، واختراقات رقمية، ومحاولات إحاطتها بدائرة شبهات دائمة. هذه العمليات لم تكن غاية في حد ذاتها، بل تمهيدًا للمرحلة التالية، حين يُنقل الملف من الظل الاستخباراتي إلى العلن القضائي.
عندما لم تنجح أدوات الترهيب والتشويه في إقصاء سويد أو دفعها إلى التراجع عن دورها، انتقل الاستهداف إلى مستوى أخطر، تمثل في استخدام مؤسسات دولة أوروبية ذات سيادة كوسيلة ضغط. هنا يتضح جوهر السياسة الإماراتية خارج حدودها: تصدير الصراعات، وإعادة تشكيل أدوات القانون لتعمل كامتداد للصراع السياسي، وتحويل التحقيقات والبلاغات إلى سلاح يُستخدم لإرهاق الخصوم واستنزافهم، لا لإحقاق العدالة.
قضية سهام سويد تكشف بوضوح أن ما تقوم به الإمارات ليس سعيًا إلى الاستقرار، بل إدارة صراع مفتوح يقوم على ضرب أي توازن إقليمي أو دولي لا يخدم مصالحها. استهدافها لم يكن شخصيًا، بل سياسيًا بامتياز، مرتبطًا بدورها وموقعها وصلاتها، وبسعي أبو ظبي إلى إسكات كل من يعمل خارج روايتها أو يفضح ممارساتها أو يساهم في تثبيت نفوذ منافس لها داخل أوروبا. ما يحدث في هذه القضية يتجاوز فردًا بعينه، ليطرح سؤالًا خطيرًا حول قابلية المؤسسات الأوروبية للاختراق، وحول قدرة القانون على الصمود أمام شبكات النفوذ العابرة للحدود، حين تتحول العدالة نفسها إلى ساحة من ساحات الصراع الجيوسياسي.