أثارت صحيفة يديعوت أحرونوت جدلًا سياسيًا لافتًا عندما أعادت فتح ملف العلاقة السعودية–الإسرائيلية من زاوية “ازدواج الخطاب”، مقدِّمة الرياض بوصفها دولة تتحدث بصوتين متناقضين في القضايا الإقليمية الحساسة، وعلى رأسها إسرائيل وإيران. غير أن قراءة المقال، وتوقيته، وطريقة بنائه، تكشف ما هو أبعد من توصيف صحفي محايد؛ إذ يندرج ضمن حملة ضغط إعلامي إسرائيلي–إماراتي مشتركة تهدف إلى إحراج السعودية، ودفعها إلى إعلان مواقف أكثر صراحة تخدم أجندات إقليمية بعينها.

قصة نيوم: التسريب كسلاح سياسي
تستعيد يديعوت زيارة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى مدينة نيوم في نوفمبر/تشرين الثاني 2020، والتي جرى الاتفاق على إبقائها سرية بين ثلاثة أطراف: السعودية ممثَّلة بولي العهد محمد بن سلمان، والولايات المتحدة، وإسرائيل. لكن سرعان ما جرى تسريب الزيارة إلى الإعلام العبري.
الكاتبة الإسرائيلية لا تُخفي قناعتها بأن التسريب كان مقصودًا، وأنه استهدف إحراج القيادة السعودية داخليًا وإقليميًا. فالنفي السعودي حينها لم يكن تفصيلًا عابرًا، بل محاولة لإدارة توازنات دقيقة بين الرأي العام العربي، والالتزامات الأمنية غير المعلنة، وحسابات العلاقة مع واشنطن.
من أبراهام إلى ما قبل السابع من أكتوبر
تُلمّح يديعوت إلى أن إعلان ولي العهد، قبل أسابيع من هجوم السابع من أكتوبر، عن اتجاه بلاده نحو اتفاقيات تعاون مع إسرائيل على غرار “أبراهام”، يكشف “حقيقة الصوت الفعلي” في الرياض. إلا أن هذا الطرح يتجاهل السياق الأوسع: فالسعودية لم توقّع، ولم تُحوّل الإشارات السياسية إلى التزامات رسمية، بل استخدمت الغموض المدروس كأداة تفاوضية، خصوصًا في ظل اشتراطات تتعلق بالقضية الفلسطينية وبالضمانات الأمريكية.
نموذج عربي مُعاد تدويره
تسعى الصحيفة إلى تأطير الموقف السعودي ضمن “تقليد عربي قديم” بازدواجية الخطاب، مستشهدة بتجارب مصر في عهد حسني مبارك، والأردن في عهد الملك عبد الله الثاني. غير أن هذا التعميم يخدم هدفًا واضحًا: نزع الخصوصية عن الحالة السعودية، وتصويرها كحالة نفاق سياسي، لا كخيار سيادي لإدارة المخاطر. فالدول، خصوصًا في بيئات إقليمية متفجرة، تلجأ غالبًا إلى تعدد الرسائل لتفادي الانجرار إلى صراعات مفتوحة.
إيران في الحسابات السعودية
يتوقف مقال يديعوت عند تباين التصريحات السعودية بشأن إيران: من تأكيد ولي العهد رفض استخدام الأجواء السعودية أو الأراضي كمنصة هجوم، إلى تحذير وزير الدفاع الأمير خالد بن سلمان في واشنطن من أن عدم ضرب إيران قد “يعزز النظام”. وتخلص الصحيفة إلى أن هذه التصريحات لا يمكن فصلها عن ضوء أخضر من القصر.
لكن ما تتجاهله يديعوت عمدًا هو أن هذا “التباين” يعكس في جوهره نقاشًا استراتيجيًا داخل الدولة حول كلفة أي مواجهة، لا سيما احتمال استهداف البنية النفطية السعودية، وهو هاجس مشروع لدولة يعتمد اقتصادها على استقرار سوق الطاقة.
الدور الإماراتي: تحريض من الخلف
اللافت في توقيت وحِدّة الطرح العبري هو تزامنه مع تصاعد تنافس إقليمي غير معلن بين الرياض وأبوظبي. فالإمارات، التي ذهبت بعيدًا في التطبيع العلني، تجد في الغموض السعودي عائقًا أمام تكريس نفسها بوصفها “الشريك العربي الأوثق” لإسرائيل. ومن هنا، يظهر التحريض الإعلامي عبر الصحف العبرية كأداة ضغط غير مباشرة: تصوير السعودية كدولة مترددة، مزدوجة الخطاب، وغير موثوقة، في مقابل “وضوح” إماراتي كامل.
من يملك الصوت الحقيقي؟
تختم يديعوت بتساؤل ظاهري: أي صوت يجب تصديقه في الرياض؟ لكن السؤال الحقيقي ليس داخل السعودية، بل خارجها: لماذا يُعاد فتح هذا الملف الآن؟ ولمصلحة من يُدفع النقاش بهذا الشكل؟
الواقع أن السعودية لا تتحدث بصوتين بقدر ما تُجيد إدارة تعدد الرسائل في بيئة إقليمية عالية الخطورة. أما الحملة العبرية، ذات النكهة الإماراتية الواضحة، فهي محاولة لفرض إيقاع سياسي على الرياض، ودفعها إلى خيارات لا تزال ترى أنها سابقة لأوانها.
اقرأ أيضًا ” ميليشيا الإمارات الانتقالي تقتحم مقر صحيفة بعدن في رسالة إرهاب صريحة