في تصعيد سياسي وأمني غير مسبوق داخل إسرائيل، فجّر وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت مواجهة علنية مع رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو، واصفًا إياه بـ“الكاذب” الذي “يطعن جنوده في ظهورهم”، في سياق الجدل المتواصل حول مسؤولية الإخفاق الكبير في أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023.

الهجوم لم يأتِ في فراغ، بل جاء بعد نشر نتنياهو وثائق وردود رسمية على تقرير مراقب الدولة، حاول من خلالها تبرئة نفسه وتحميل المسؤولية للمؤسسة العسكرية والأمنية، في خطوة اعتبرها كثيرون محاولة لإعادة كتابة التاريخ السياسي والأمني لما قبل “طوفان الأقصى”.

وثائق التبرير ومحاولة الهروب من المسؤولية

نشر نتنياهو، في توقيت متأخر، مقتطفات من ردوده المقدمة إلى مراقب الدولة، مدعيًا أنه سلّمها منذ نهاية عام 2025، في محاولة لإظهار نفسه كشخص حذّر مسبقًا من المخاطر ودعا إلى سياسات أكثر تشددًا تجاه غزة.

غير أن مضمون الوثائق، بحسب وسائل إعلام عبرية، ركّز على إلقاء اللوم على الجيش والحكومات السابقة، والإيحاء بأن مسؤولين أمنيين قللوا من خطر حركة حركة حماس، بينما صوّر نفسه كصاحب رؤية استراتيجية لم يتم الأخذ بها.

هذا النهج أعاد إلى الواجهة نمطًا متكررًا في سلوك نتنياهو، يقوم على تجنب الاعتراف بالفشل الشخصي، وتحويل الإخفاقات الكبرى إلى “أخطاء مؤسساتية” لا يتحمل هو تبعاتها السياسية.

غالانت يهاجم: طعن للجنود وتحريض على القيادات

في مقابلة مع القناة 12 الإسرائيلية، وجّه غالانت اتهامًا مباشرًا لنتنياهو، معتبرًا أن نشر الوثائق في هذا التوقيت يمثل “تحريضًا على قادة المؤسسة الأمنية”، ومحاولة للتنصل من المسؤولية الأخلاقية والسياسية.

وقال غالانت إن رئيس الحكومة اختار الدفاع عن نفسه سياسيًا بينما كان الجنود يدفعون الثمن في الميدان، معتبرًا أن ذلك “طعن في الظهر” لكل من شارك في المعركة.

كما نفى ادعاءات نتنياهو حول دعمه لاغتيال الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله، متهمًا إياه بازدواجية الخطاب، وتبنّي سياسات مترددة ساهمت في ترسيخ حالة الردع الهش.

سياسة الأموال لحماس وتفكيك السلطة الفلسطينية

من أبرز النقاط التي أثارها غالانت، اتهام نتنياهو بالاستمرار في سياسة تمرير الأموال إلى غزة، بحجة أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس يرفض تمويل القطاع.

هذه السياسة، التي اعتمدتها حكومات نتنياهو لسنوات، كانت تهدف إلى إدارة الصراع بدل حله، عبر إضعاف السلطة الفلسطينية وتعزيز الانقسام الداخلي، ما منح حركة حماس مساحة أكبر لتعزيز قوتها العسكرية والتنظيمية.

ويرى مراقبون أن هذه المقاربة ساهمت بشكل مباشر في خلق البيئة التي سمحت بوقوع هجوم السابع من أكتوبر، عبر تغليب الحسابات السياسية الضيقة على الاعتبارات الأمنية بعيدة المدى.

أزمة داخلية عميقة وانقسام في النخبة الحاكمة

تكشف تصريحات غالانت عن عمق الانقسام داخل النخبة الإسرائيلية، ليس فقط بين السياسيين والعسكريين، بل داخل الحكومة نفسها. فقد أشار إلى أن وزراء هاجموا قادة الجيش خلال اجتماعات “الكابينت”، في مشهد يعكس تآكل الثقة بين مكونات منظومة الحكم.

هذا الانقسام يضعف قدرة الدولة على بلورة استراتيجية متماسكة، ويحوّل الخلافات إلى صراعات علنية، تُدار عبر الإعلام بدل المؤسسات.

كما يعكس الصراع بين غالانت ونتنياهو تنافسًا على “سردية الهزيمة”: من المسؤول؟ ومن سيدفع الثمن السياسي؟ ومن سينجو من المحاسبة؟

السابع من أكتوبر: جرح مفتوح بلا تحقيق

رغم مرور أكثر من عامين على الهجوم، لا يزال نتنياهو يرفض تشكيل لجنة تحقيق رسمية مستقلة، في خطوة تُفسَّر على نطاق واسع بأنها محاولة لتأجيل أو منع تحميله المسؤولية.

في المقابل، أعلن عدد من القادة العسكريين والأمنيين تحمّلهم مسؤوليات شخصية، ما زاد من عزلة نتنياهو السياسية، وعمّق صورة “الزعيم المتهرب” من المحاسبة.

غياب التحقيق الشامل لا يعني فقط غياب العدالة السياسية، بل يهدد بإعادة إنتاج الفشل، في ظل استمرار نفس العقليات ونفس آليات اتخاذ القرار.

ذكاء المقاومة وأزمة القيادة الإسرائيلية

في خلفية هذا الصراع، يبرز عامل أساسي يتمثل في قدرة المقاومة الفلسطينية على استثمار التناقضات الداخلية الإسرائيلية، وتحويلها إلى نقاط ضعف استراتيجية.

فالهجوم لم يكن مجرد ضربة عسكرية، بل كشف هشاشة القيادة، وتضارب الأولويات، وانشغال النخبة الحاكمة بصراعاتها الشخصية والحزبية.

وفي هذا السياق، لا تبدو تصريحات غالانت مجرد انتقام سياسي، بل مؤشرًا على أزمة بنيوية في النظام الإسرائيلي، حيث تتصارع القيادات على الرواية بدل مواجهة الحقيقة: أن هزيمة السابع من أكتوبر كانت نتيجة تراكم طويل من الفشل، وسوء التقدير، وتقديم المصالح السياسية على الأمن الحقيقي.

خاتمة: معركة الرواية قبل معركة المحاسبة

تُظهر مواجهة غالانت ونتنياهو أن إسرائيل تعيش اليوم معركة داخلية حول الذاكرة والمسؤولية والمستقبل. فبينما يحاول نتنياهو حماية إرثه السياسي، يسعى خصومه إلى تحميله وزر أكبر إخفاق أمني في تاريخ الدولة.

غير أن هذه المعركة، مهما اشتدت، لن تعوّض غياب التحقيق الشامل، ولن تمحو حقيقة أن أزمة القيادة، لا تزال مفتوحة، تنتظر لحظة الحساب.

اقرأ أيضًا : جريمة التجويع بالطاقة.. كيف يدفع الاحتلال غزة إلى الانهيار الصحي الكامل؟