كشفت قراءة تحليلية في الإعلام الإسرائيلي لمسار الحروب المتكررة على قطاع غزة، عن مفارقة لافتة مفادها أن هذه المواجهات، رغم ضراوتها وكلفتها الإنسانية الهائلة، لم تُضعف حركة المقاومة الإسلامية، بل أسهمت عمليًا في تعزيز قوتها العسكرية والسياسية والتنظيمية. فبدل أن تحقق تل أبيب هدفها المعلن بإضعاف المقاومة، وجدت نفسها بعد كل حرب أمام خصم أكثر جاهزية وخبرة وقدرة على الصمود.

ويعكس هذا التقييم، الذي قدّمه الكاتب الإسرائيلي بن كسبيت، حجم الإخفاق المتراكم في السياسات الأمنية والعسكرية التي انتهجتها حكومات الاحتلال، وعلى رأسها حكومة بنيامين نتنياهو، في إدارة الصراع مع غزة.

إخفاق استراتيجي يتكرر منذ سنوات

يرى محللون إسرائيليون أن جوهر المشكلة لا يكمن في القدرات العسكرية لحركة حركة حماس فحسب، بل في غياب رؤية استراتيجية واضحة لدى الاحتلال. فمنذ عام 2006، اعتمدت تل أبيب سياسة تقوم على “الضربات المحدودة” و”الهدوء المؤقت”، دون حسم جذري أو معالجة سياسية حقيقية لجذور الصراع.

هذه السياسة أدت إلى حالة من الدوران في حلقة مفرغة: تصعيد عسكري، ثم تهدئة مؤقتة، ثم انفجار جديد. وفي كل دورة، كانت المقاومة تستثمر الوقت في تطوير قدراتها، بينما يكتفي الاحتلال بإدارة الأزمة بدل حلها.

السابع من أكتوبر كنقطة تحول كاشفة

شكّل هجوم السابع من أكتوبر محطة مفصلية في الوعي الإسرائيلي، إذ كشف هشاشة المنظومة الأمنية والاستخباراتية، وعجزها عن التنبؤ أو الاحتواء. وأظهرت الأحداث أن المقاومة استطاعت استغلال الثغرات التقنية والبشرية، لتنفيذ عملية واسعة النطاق أربكت القيادة السياسية والعسكرية.

وبحسب التحليل الإسرائيلي، فإن هذا الإخفاق لم يكن حادثًا طارئًا، بل نتيجة تراكم طويل من الاستهانة بقدرات الخصم، والاعتماد المفرط على التفوق التكنولوجي دون فهم عميق للبيئة الميدانية.

من حركة محاصرة إلى قوة منظمة

تصف التقارير الإسرائيلية حماس اليوم باعتبارها بنية عسكرية شبه متكاملة، تضم ألوية وكتائب ووحدات متخصصة، وتملك منظومات تصنيع وتخزين واتصال متطورة. كما نجحت في بناء شبكة أنفاق معقدة، ومنظومة قيادة وسيطرة، وقدرات في مجالات الصواريخ والطائرات المسيّرة والحرب السيبرانية.

هذا التطور لم يأتِ من فراغ، بل كان نتاجًا مباشرًا لسنوات من الحصار والحروب، التي دفعت الحركة إلى الاعتماد على الذات، وتطوير حلول مبتكرة في ظل ظروف قاسية.

كلفة باهظة بلا نتائج حاسمة

تعترف التحليلات الإسرائيلية بأن كل حرب على غزة كانت تُكبّد “إسرائيل” خسائر اقتصادية واجتماعية ضخمة، من تعطّل السياحة والطيران، إلى استنزاف الاحتياطيات العسكرية، وصولًا إلى تآكل صورة الردع.

ورغم هذه الكلفة، لم تحقق تل أبيب مكسبًا استراتيجيًا مستدامًا. فسرعان ما كانت حماس تعيد بناء قوتها، وتستعيد توازنها، بل وتوسع نفوذها في الضفة الغربية والشارع الفلسطيني.

غياب الإرادة السياسية للحسم

يرى الكاتب أن أحد أسباب الفشل الرئيسية هو تردد القيادة السياسية في الذهاب إلى مواجهة شاملة وحاسمة، خوفًا من الخسائر البشرية والضغوط الدولية. هذا التردد جعل العمليات العسكرية تبدو محدودة الأهداف، وغير كافية لكسر البنية التنظيمية للمقاومة.

كما يشير إلى أن نتنياهو، بحسب هذا التقييم، افتقر إلى الشجاعة السياسية اللازمة لتحمّل تبعات قرارات مصيرية، واختار دائمًا الحلول الوسط التي تؤجل الانفجار بدل منعه.

فشل سياسة الاغتيالات

من النقاط التي ركز عليها التحليل، أن استهداف قادة حماس واغتيالهم لم يؤدِّ إلى إضعاف الحركة، بل عزز من قدرتها على إنتاج قيادات بديلة بسرعة. هذا الأمر أكد أن التنظيم بات قائمًا على مؤسسات وهياكل راسخة، لا على أفراد.

وبذلك، تحولت سياسة “قطع الرؤوس” إلى أداة محدودة التأثير، لا تغيّر موازين القوة على المدى البعيد.

ثبات المقاومة وتآكل الردع

خلص التقرير إلى أن نتيجة أكثر من 17 عملية عسكرية ضد غزة منذ 2006، كانت تعزيز مكانة المقاومة بدل إضعافها. فقد انتقلت حماس من حركة محدودة الإمكانات، إلى قوة تمتلك ترسانة متنوعة وخبرة قتالية عالية، وشبكة دعم شعبي متنامية.

ويرى الكاتب أن هذا الواقع يعكس تآكل مفهوم الردع الإسرائيلي، وصعود نموذج مقاومة قائم على الصبر والتكيف والاستعداد للتضحية، في مقابل مجتمع إسرائيلي بات أكثر حساسية للخسائر والضغوط.

خلاصة: حروب صنعت خصمًا أقوى

في المحصلة، يكشف الاستعراض الإسرائيلي للحروب على غزة أن السياسات القائمة على القوة المجردة، دون رؤية سياسية شاملة، لم تؤدِّ سوى إلى تعزيز صمود المقاومة. فبدل أن تكون هذه الحروب وسيلة لإخضاع غزة، تحولت إلى مدرسة عسكرية وتنظيمية خرّجت خصمًا أكثر صلابة.

ويؤكد هذا التقييم أن استمرار النهج نفسه يعني مزيدًا من الاستنزاف والفشل، في مقابل مقاومة تزداد رسوخًا وثقة بقدرتها على الصمود والمواجهة، ما يجعل الصراع مفتوحًا على دورات جديدة من المواجهة، دون أفق واضح للحسم.

اقرأ أيضًا : تحذيرات بريطانية من استيراد خطاب الإسلام السياسي المدعوم إماراتيًا: إجرام سياسي ناعم يهدد الديمقراطية