مع إعلان هلال شهر رمضان في مصر، لم يكن المشهد اعتيادياً لدى آلاف الأسر التي اعتادت استقبال الشهر بالأنوار والزينة وموائد الإفطار العامرة. بالنسبة لعائلات المعتقلين السياسيين، يحلّ رمضان هذا العام وهو الثالث عشر على التوالي لكثيرين يقضونه خلف القضبان منذ 2013، في ما تصفه أسرهم بأنه “أطول اختبار للصبر والاحتمال”.
تقديرات حقوقية تشير إلى وجود أكثر من 60 ألف معتقل على خلفية قضايا سياسية خلال السنوات الماضية، بينهم من صدرت بحقهم أحكام مشددة، وآخرون لا يزالون رهن الحبس الاحتياطي لمدد تجاوزت السقف الزمني الذي يحدده القانون. ومع كل رمضان، تتجدد حملات المناشدة والمطالبات بالإفراج، تحت عناوين إنسانية تركز على المرضى وكبار السن ومن أمضوا سنوات طويلة في السجون.
وتتحدث أسر عن مرور 13 شهراً من رمضان بعيداً عن الأهل، بلا زيارات منتظمة، ولا قدرة على مشاركة لحظات الإفطار والسحور، فيما يؤكد حقوقيون أن الشهر الفضيل يضاعف وطأة الفقد والحرمان، خصوصاً لدى الأطفال الذين كبروا بعيداً عن آبائهم.

أمهات بين الدعاء والانتظار
في كل عام، تتصدر أصوات الأمهات والزوجات مشهد المناشدات. كلماتهن تتكرر، لكن الألم يتراكم. بعضهن يتحدث عن أبنائهن الذين دخلوا السجون في مقتبل العمر، ولم يخرجوا بعد، بينما تشير أخريات إلى أزواج مرضى تجاوزوا السبعين، تتدهور أوضاعهم الصحية داخل أماكن الاحتجاز.
أم شاب معتقل منذ 2019 تقول إن رمضان بالنسبة لها لم يعد شهراً للفرح، بل موسماً للدعاء والترقب. تتحدث عن سنوات لم تسمع فيها صوت ابنها، وعن خوف دائم من تلقي خبر مفاجئ بشأن صحته. وفي حالات أخرى، تشير أسر إلى أن أبناءها كانوا في التاسعة عشرة أو العشرين من العمر عند توقيفهم، وأنهم اليوم تجاوزوا الرابعة والعشرين أو الخامسة والعشرين، دون أن يعيشوا مراحلهم الطبيعية في الدراسة والعمل والزواج.
هذا البعد الإنساني يبرز بقوة مع كل رمضان، حيث تتحول وسائل التواصل الاجتماعي إلى منصة مفتوحة للرسائل المؤثرة، والدعوات إلى “لمّ الشمل” ولو مؤقتاً عبر قرارات عفو أو إفراج صحي.
الحبس الاحتياطي والتدوير.. جدل قانوني مستمر
أحد أبرز الملفات التي تعود إلى الواجهة مع حلول الشهر الكريم هو ملف الحبس الاحتياطي الممتد، والذي تقول منظمات حقوقية إنه تجاوز في بعض الحالات الحد الأقصى المنصوص عليه في قانون الإجراءات الجنائية.
وقد تقدمت جهات قانونية بمذكرات تطالب بالإفراج عن المحبوسين احتياطياً ممن تجاوزت مدة احتجازهم عامين، معتبرة أن استمرار حبسهم دون إحالة إلى محاكمة يشكل مخالفة صريحة للقانون. كما يثار جدل حول ما يُعرف بملف “التدوير”، أي إعادة حبس متهمين على ذمة قضايا جديدة بعد انتهاء مدد حبسهم السابقة، وهو ما تعتبره جهات حقوقية التفافاً على قرارات الإفراج.
في المقابل، تؤكد السلطات أن جميع الإجراءات تتم وفق القانون، وأن القضاء هو الفيصل في هذه القضايا، مشددة على استقلاليته وحقه في تقدير الأدلة والملفات المعروضة أمامه.
معاناة صحية متصاعدة داخل السجون
تتحدث تقارير حقوقية عن ارتفاع معدلات الوفيات داخل أماكن الاحتجاز منذ 2013، حيث توثق منظمات مستقلة أرقاماً تتجاوز الألف حالة وفاة خلال السنوات الماضية، بينها حالات مرتبطة بأمراض مزمنة أو بتأخر في تلقي الرعاية الطبية.
وفي الأسابيع الأخيرة، أُعلن عن وفاة عدد من المعتقلين من كبار السن بعد سنوات طويلة من الاحتجاز، بينهم أساتذة جامعيون وأطباء تجاوزوا السبعين. كما أثيرت مخاوف بشأن أوضاع سجناء يعانون أمراض القلب والسكري والضغط وأمراض الكبد، وسط مطالبات بإفراج صحي عن الحالات الحرجة.
وتشير تقارير إلى وجود شكاوى من الاكتظاظ وضعف التهوية وتقييد فترات التريض، وهي عوامل تقول المنظمات الحقوقية إنها تسهم في تدهور الحالة الصحية والنفسية للمحتجزين، خاصة خلال شهر الصيام.
كلفة اجتماعية ممتدة إلى الأبناء
لا تقتصر آثار الاعتقال على السجين نفسه، بل تمتد إلى أسرته. أبناء المعتقلين يواجهون – بحسب شهادات أسرهم – تحديات في التعليم والعمل، فضلاً عن ضغوط نفسية واجتماعية. بعض الفتيات تأخر زواجهن، وفق روايات أسرهن، بسبب ظروف العائلة وغياب المعيل. كما تشير حالات إلى أمهات أصبن بأمراض نفسية وعصبية نتيجة الضغوط المستمرة.
هذه الكلفة الاجتماعية تتضاعف في رمضان، حيث تتحول التجمعات العائلية إلى لحظات تذكير بالغياب، ويصبح المقعد الفارغ على مائدة الإفطار رمزاً لسنوات من الفقد.
دعوات للتكافل وحملات تضامن
مع حلول الشهر الفضيل، تطلق بعض المبادرات حملات لدعم أسر المعتقلين مادياً ومعنوياً، عبر توفير مساعدات غذائية أو المساهمة في تكاليف الزيارات. وتؤكد هذه المبادرات أن هدفها تخفيف العبء عن الأسر التي تعاني ضغوطاً اقتصادية متزايدة، في ظل ارتفاع تكاليف المعيشة.
كما تتجدد دعوات إلى مراجعة شاملة لملف السجناء السياسيين، وإطلاق مبادرات عفو أو مصالحة وطنية تُنهي حالة الاستقطاب التي تعيشها البلاد منذ أكثر من عقد.
ثلاثة عشر عاماً.. والملف مفتوح
بعد مرور 13 عاماً على أحداث 2013، لا يزال ملف المعتقلين السياسيين واحداً من أكثر الملفات حساسية في المشهد المصري. ومع كل رمضان، تعود القضية إلى الواجهة عبر أصوات الأمهات والزوجات والحقوقيين، الذين يرون أن الشهر الفضيل فرصة لإبداء مرونة إنسانية وإعادة النظر في أوضاع آلاف المحتجزين.
وبينما تصر السلطات على أن الملف قضائي بحت، وأن الدولة تواجه تحديات أمنية تقتضي الحزم، يرى معارضون أن استمرار الاحتجاز لسنوات طويلة يفاقم الانقسام ويعمّق الجراح.
في نهاية المطاف، يبقى رمضان – بالنسبة لهذه الأسر – موعداً سنوياً مع الأمل المؤجل. ثلاثة عشر عاماً في غياهب السجون ليست مجرد رقم، بل حكايات متراكمة من الفقد والانتظار، تتجدد مع كل أذان مغرب، ومع كل دعاء يرتفع في ليلة رمضانية، طلباً لحرية قد تعيد لموائد كثيرة دفئها المفقود.
اقرأ أيضا : حكم الدستورية العليا يشعل الغضب الشعبي ويفتح أبواب تبرئة تجار المخدرات في مصر