أثار الأكاديمي الإماراتي عبد الخالق عبد الله جدلًا واسعًا بتصريحاته الأخيرة حول وجود “رسالة تودد وتقارب” من السعودية إلى الإمارات، في إشارة رمزية إلى الانتقال من الرمز الدولي 966 إلى 971. ورغم الطابع الساخر أو الإيحائي لهذه العبارة، فإن توقيتها لم يكن عابرًا، بل جاء في ظل تصاعد مؤشرات التوتر بين البلدين خلال السنوات الأخيرة، وتحديدًا في ملفات اليمن والسودان وإدارة النفوذ الإقليمي.

تصريحات عبد الخالق، المعروف بقربه من دوائر صنع القرار في أبوظبي، تعكس في الغالب رسائل سياسية غير مباشرة، تُستخدم لاختبار الرأي العام، أو لتمهيد الأرضية لتحولات في العلاقات بين العاصمتين الخليجيتين.

رسالة محمد بن سلمان: مضمون الخلاف وحدوده

بالتزامن مع حديث عبد الخالق، كشفت تقارير إعلامية عن رسالة مطولة من ولي العهد السعودي محمد بن سلمان إلى مستشار الأمن القومي الإماراتي طحنون بن زايد، تضمنت قائمة شكاوى واضحة من سياسات أبوظبي، خاصة في السودان واليمن.

ركزت الرسالة على عدة نقاط جوهرية، أبرزها:

  • دعم الإمارات لقوات الدعم السريع في السودان.
  • تحركاتها المستقلة في جنوب اليمن.
  • إرسال مساعدات عسكرية دون تنسيق مع الرياض.
  • دعم المجلس الانتقالي الجنوبي على حساب الحكومة المعترف بها دوليًا.

كما اعتبرت الرياض بعض هذه التحركات “خطوطًا حمراء”، تمس أمنها القومي ونفوذها الإقليمي، خاصة في اليمن الذي تعتبره مجالها الحيوي التقليدي.

هذه الرسالة، وإن لم تحمل توقيعًا رسميًا، عكست مستوى غير مسبوق من الصراحة في مخاطبة شريك استراتيجي، ما يدل على عمق الأزمة بين الطرفين.

التناقض بين خطاب التودد وواقع الصراع

يبرز هنا تناقض واضح بين حديث عبد الخالق عن “رسالة تودد” وبين مضمون الرسالة السعودية التي حملت طابعًا نقديًا حادًا. هذا التناقض يطرح تساؤلات حول طبيعة الرسائل المتبادلة بين الرياض وأبوظبي: هل نحن أمام محاولة لاحتواء الخلاف بعد انفجاره؟ أم أمام إدارة ذكية للأزمة عبر قنوات متعددة؟

في الواقع، يمكن قراءة تصريحات عبد الخالق بوصفها محاولة إماراتية لإعادة صياغة المشهد إعلاميًا، عبر تصوير العلاقة على أنها في طور “الترميم”، وليس في حالة صدام مفتوح. وهو خطاب يهدف إلى:

  • طمأنة الحلفاء الغربيين.
  • تهدئة الأسواق والاستثمارات.
  • الحفاظ على صورة “التماسك الخليجي”.

بينما تعكس الرسالة السعودية من جهة أخرى رغبة في إعادة ضبط ميزان القوة داخل التحالف، ووضع حدود واضحة للدور الإماراتي.

ملفات السودان واليمن: جوهر الصراع الحقيقي

يشكل السودان واليمن محورين أساسيين للخلاف بين الرياض وأبوظبي. ففي السودان، ترى السعودية أن الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع يهدد الاستقرار الإقليمي ويطيل أمد الحرب. بينما تنظر أبوظبي إلى هذه القوات كأداة نفوذ استراتيجي في البحر الأحمر وشرق إفريقيا.

أما في اليمن، فقد بلغ التنافس ذروته مع دعم الإمارات للمجلس الانتقالي الجنوبي، وسعيها لترسيخ واقع انفصالي يخدم مصالحها في الموانئ والجزر. في المقابل، ترى السعودية أن هذا التوجه ينسف مشروعها لإعادة بناء دولة يمنية موحدة تحت نفوذها.

هذه الملفات لم تعد مجرد خلافات تكتيكية، بل تعكس صراعًا على قيادة الإقليم ورسم خرائط النفوذ المستقبلية.

عبد الخالق عبد الله: دور “المتحدث غير الرسمي”

يُنظر إلى عبد الخالق عبد الله على نطاق واسع بوصفه أحد أبرز “أصوات النظام” في الإمارات، حيث يؤدي دورًا غير رسمي في ترويج السردية الرسمية، خاصة في الأزمات الحساسة. ومن هذا المنطلق، فإن حديثه عن “رسالة تودد” لا يمكن فصله عن استراتيجية إعلامية تهدف إلى:

  • تقليل حدة التوتر الظاهر.
  • تقديم الإمارات كطرف منفتح على المصالحة.
  • تحميل الطرف الآخر مسؤولية التصعيد.

بهذا المعنى، يصبح عبد الخالق أداة لإدارة الصراع إعلاميًا، وليس مجرد أكاديمي يعبر عن رأيه الشخصي.

إدارة الخلاف “عائليًا”: محاولة لاحتواء الانفجار

أحد أبرز ما ورد في الرسالة السعودية هو التأكيد على أن إدارة الخلاف يجب أن تبقى “شأنًا عائليًا”. هذه العبارة تعكس خوفًا مشتركًا من تدويل الأزمة أو استغلالها من قوى خارجية، خاصة الولايات المتحدة والصين وروسيا.

كما تشير إلى إدراك الطرفين أن أي تصعيد علني قد يضعف موقعهما التفاوضي إقليميًا، ويكشف هشاشة التحالف الخليجي الذي طالما قُدم كنموذج للوحدة.

خاتمة: تحالف المصالح أم شراكة القيم؟

تكشف تصريحات عبد الخالق عبد الله والرسالة السعودية المتبادلة أن العلاقات بين الرياض وأبوظبي تمر بمرحلة إعادة تشكيل عميقة، لم تعد تقوم فقط على الانسجام السياسي، بل على إدارة تنافس معقد داخل إطار التحالف.

فـ”رسالة التودد” ليست بالضرورة تعبيرًا عن انسجام حقيقي، بقدر ما هي محاولة لاحتواء صراع المصالح المتصاعد. وبين خطاب المجاملة وكواليس التوتر، يبدو أن التحالف السعودي الإماراتي ينتقل من مرحلة الشراكة الوثيقة إلى مرحلة الشراكة المشروطة، حيث يحكمه ميزان القوة أكثر مما تحكمه الثقة.

وفي هذا السياق، يصبح السؤال الأهم: هل تنجح هذه الرسائل المتبادلة في ترميم التحالف، أم أنها مجرد هدنة مؤقتة قبل جولة جديدة من الصراع الإقليمي؟

اقرأ أيضًا : الخزانة الأمريكية تفرض عقوبات على قيادات في “الدعم السريع”… وكشف وثائق القوني دقلو يثير تساؤلات