أكد الكاتب والمحلل السياسي السوداني ضياء الدين بلال أن زيارة قائد ميليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) إلى أوغندا تمثل تعبيرًا واضحًا عن حالة الانهيار التي تمر بها قواته، في ظل التقدم المتسارع للجيش السوداني واستعادته مساحات واسعة من الأراضي، وعلى رأسها العاصمة الخرطوم.

وفي مقابلة خاصة أوضح بلال أن هذه الزيارة لا تأتي في سياق دبلوماسي طبيعي، بل تعكس حالة ارتباك سياسي وعسكري تعيشها الميليشيا بعد فقدانها زمام المبادرة على الأرض، وانحسار نفوذها في مناطق محدودة غربي البلاد.

من مشروع انقلاب إلى ميليشيا محاصَرة

وأشار بلال إلى أن قوات الدعم السريع نفذت في 15 نيسان/ أبريل 2023 محاولة انقلابية خاطفة، استهدفت السيطرة على السلطة ومقدرات الدولة، ونجحت آنذاك في بسط نفوذها على أجزاء واسعة من السودان، بما فيها العاصمة وولاية الجزيرة وأجزاء من سنار، وتمدّدت نحو الشمال والوسط والغرب.

وأضاف أن الميليشيا تمكنت في مرحلة من المراحل من السيطرة على أكثر من 75% من مساحة البلاد، مستفيدة من عنصر المفاجأة والدعم الخارجي، قبل أن تبدأ موازين القوى في الانقلاب تدريجيًا لصالح القوات المسلحة السودانية.

وبيّن أن الجيش استطاع خلال الأشهر الأخيرة استعادة معظم هذه المناطق، لتصبح الميليشيا محصورة في بعض مناطق دارفور و**كردفان**، مع تراجع قدرتها على شن عمليات واسعة النطاق.

تراجع الخطر العسكري وتحول إلى استهداف مدني

وأوضح المحلل السوداني أن خطر ميليشيا الدعم السريع لم يعد يشكّل تهديدًا استراتيجيًا للدولة، كما كان في السابق، بل انحصر في عمليات متفرقة، أبرزها استخدام الطائرات المسيّرة لاستهداف الأعيان المدنية، والمستشفيات، ومحطات الكهرباء، ومرافق الخدمات العامة.

واعتبر أن هذا التحول يعكس فقدان الميليشيا لقدرتها على المواجهة المباشرة، واعتمادها على أساليب “الضغط العشوائي” لتعويض خسائرها الميدانية، وهو ما زاد من نقمة الشارع السوداني عليها.

وأكد أن المشروع العسكري والسياسي للدعم السريع “انهار فعليًا”، ولم يعد يمتلك أي أفق واقعي للاستمرار.

هشاشة البنية الداخلية وارتهانها للمال

وفي تفسيره لحالة الانهيار، شدد بلال على أن الميليشيا بطبيعتها تفتقر إلى التماسك التنظيمي والعقائدي، وتعتمد على تحالفات مؤقتة ومصالح آنية، دون رؤية واضحة أو مشروع وطني.

وقال إن الرابط الأساسي بين مكوناتها هو المال، وليس الانتماء المؤسسي أو السياسي، ما جعلها عرضة للتفكك والانشقاق مع أول اختبار حقيقي.

وأضاف أن الغموض في أهدافها، وتبدّل خطابها من مرحلة إلى أخرى، أضعف بنيتها الداخلية، وحوّلها إلى كيان هش تحكمه المصالح الفردية والقبلية.

الدور الإماراتي وتأجيج الحرب

واتهم بلال الإمارات العربية المتحدة بالوقوف خلف دعم وتمويل ميليشيا الدعم السريع، معتبرًا أنها لعبت دورًا رئيسيًا في تأجيج الحرب وتعميق الصراع داخل السودان.

وأوضح أن الدعم الإماراتي، سواء المالي أو السياسي، كان أحد العوامل الأساسية التي سمحت للميليشيا بالتمدد في بدايات الحرب، والاستمرار رغم الرفض الشعبي الواسع لها.

وأضاف أن الإمارات بدأت مؤخرًا تشعر بثقل التكلفة السياسية والأخلاقية والقانونية لهذا الدعم، في ظل الاتهامات المتزايدة بارتكاب جرائم وانتهاكات جسيمة.

واعتبر أن زيارة حميدتي إلى أوغندا تأتي في هذا السياق، كمحاولة لإعادة تدوير الميليشيا سياسيًا، أو تمهيدًا للتخلّي عنها تدريجيًا، بعد أن تحولت إلى عبء على داعميها.

التحالفات الإقليمية ومستقبل السودان

وحول تأثير التحالفات الدولية والإقليمية، أكد بلال أن موقع السودان الجغرافي يمنحه أهمية استراتيجية كبرى، تجعل من المستحيل تجاهل تطورات أزمته من قبل دول الجوار والقوى المؤثرة.

وأشار إلى أن انهيار الدولة السودانية يعني اتساع دائرة الفوضى وعدم الاستقرار في الإقليم، وهو ما دفع العديد من الدول إلى إعادة حساباتها، بعد أن أدركت خطورة الرهان على الميليشيات المسلحة.

وأضاف أن محاولات تسيير مقدرات السودان لخدمة أجندات إقليمية توسعية فشلت، وأن المرحلة المقبلة ستشهد تراجع هذا النهج تدريجيًا.

تحديات ما بعد الاستعادة العسكرية

وفي ختام حديثه، أكد بلال أن التحديات العسكرية أمام الجيش تراجعت بشكل كبير، رغم استمرار الدعم الخارجي للميليشيا، لكنه شدد على أن المرحلة المقبلة ستكون أكثر تعقيدًا على المستوى المدني والمؤسسي.

وأوضح أن الدولة تواجه مهام جسيمة، تشمل إعادة الإعمار، وإعادة تشغيل مؤسساتها، واستعادة الاستقرار، وتهيئة الظروف لعودة ملايين النازحين داخل البلاد وخارجها.

وختم بالقول إن المعركة الحقيقية لم تعد عسكرية فقط، بل باتت معركة بناء دولة، وإنهاء آثار الحرب التي ساهمت التدخلات الخارجية، وعلى رأسها الدور الإماراتي، في تعميقها وإطالة أمدها.

اقرأ أيضًا : البرهان يرفض أي هدنة دون تفكيك الميليشيا ويصعّد المواجهة السياسية مع الإمارات