في تطور لافت يعكس طبيعة المرحلة الحرجة التي تمر بها الحرب في السودان، أعلن رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان عرضًا بالعفو عن مقاتلي الميليشيا، مقابل إلقائهم السلاح والاستسلام، مؤكدًا أن المعركة ماضية حتى “نهاياتها”، وأن الخيارات باتت محصورة بين الحسم العسكري أو استسلام “العدو والقضاء عليه”. جاء ذلك خلال كلمة ألقاها في حفل تخريج دفعة جديدة من ضباط الكلية البحرية في مدينة أم درمان، في رسالة مزدوجة تجمع بين التصعيد العسكري وفتح نافذة سياسية مشروطة.

البرهان شدد على أن الجيش “مستمر في القتال حتى دحر الميليشيا وتطهير البلاد منها”، لكنه في الوقت ذاته تحدث عن “العفو عن المقاتلين الذين غرر بهم”، معتبرًا أن “أبواب التوبة مفتوحة”، وأن القوات المسلحة لا تعادي من حمل السلاح نتيجة “تحريض أو معلومات مضللة”. هذا الخطاب يحمل بعدًا نفسيًا واضحًا، إذ يسعى إلى تفكيك البنية الداخلية للميليشيا عبر مخاطبة العناصر الأقل ارتباطًا بقياداتها، وإعطائهم مخرجًا فرديًا من المعركة.

ويأتي هذا الطرح في سياق حرب مستمرة منذ نيسان/ أبريل 2023، اندلعت بسبب الخلاف حول دمج الميليشيا في الجيش، وتحولت إلى صراع مفتوح دمّر البنية التحتية للدولة، وأدخل البلاد في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، مع مقتل عشرات الآلاف ونزوح نحو 13 مليون شخص، فضلًا عن تفشي المجاعة في مناطق واسعة.

خريطة السيطرة ومعادلة الميدان المعقدة

من أصل 18 ولاية سودانية، تسيطر الميليشيا على ولايات دارفور الخمس في الغرب، باستثناء أجزاء من شمال دارفور لا تزال تحت سيطرة الجيش. أما بقية الولايات، بما فيها العاصمة الخرطوم، فتخضع في معظمها لنفوذ القوات المسلحة، رغم استمرار الاشتباكات في بعض المناطق. ويشكّل إقليم دارفور نحو خمس مساحة السودان البالغة أكثر من مليون و800 ألف كيلومتر مربع، ما يمنح الميليشيا عمقًا جغرافيًا واسعًا، لكنه أقل كثافة سكانية مقارنة بمناطق سيطرة الجيش التي تضم غالبية السكان البالغ عددهم نحو 50 مليون نسمة.

هذه المعادلة تضع الطرفين أمام واقع متشابك: الجيش يمتلك الشرعية الدولية والانتشار في المراكز السكانية الرئيسية، بينما تتمتع الميليشيا بقدرة على الحركة في مناطق واسعة ومترامية، مستفيدة من الطبيعة الجغرافية والامتدادات القبلية والحدودية في دارفور.

عرض العفو في هذا التوقيت يمكن قراءته كجزء من استراتيجية عسكرية-سياسية تهدف إلى إضعاف الميليشيا من الداخل، خاصة في ظل تقارير عن انقسامات داخل صفوفها وضغوط ميدانية متزايدة. فحين يوجه البرهان رسالة مباشرة إلى المقاتلين، فإنه يتجاوز القيادات العليا، ويخاطب القواعد التي قد تكون أقل التزامًا أيديولوجيًا أو أقل استفادة من استمرار الحرب.

البعد السياسي والإنساني لخطاب “التوبة”

اللغة التي استخدمها البرهان، مثل “أبواب التوبة” و”العودة إلى صوت الحق”، تعكس محاولة لإضفاء طابع أخلاقي ووطني على الصراع، في مقابل تصوير الميليشيا ككيان متمرد على الدولة. كما أن تأكيده على أن الجيش “ليس لديه عداء مع أي جهة رفعت السلاح نتيجة تحريض” يهدف إلى نزع الصفة الجماعية عن العداء، وتحويله إلى مواجهة مع قيادة محددة، لا مع جميع المقاتلين.

لكن نجاح هذا الطرح يظل مرهونًا بعدة عوامل، أبرزها مدى ثقة عناصر الميليشيا في ضمانات العفو، وطبيعة الإجراءات التي قد تُتخذ بحق من يستسلمون. فالتجارب السابقة في النزاعات الداخلية تُظهر أن عروض العفو قد تفشل إذا لم تقترن بآليات واضحة للحماية وإعادة الدمج.

في المقابل، يواجه السودان كارثة إنسانية متفاقمة. النزوح الجماعي، وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية، وامتداد المجاعة إلى مناطق جديدة، كلها عوامل تضغط على الطرفين، وتزيد من كلفة استمرار الحرب. ومع ذلك، لا تزال الحلول السياسية الشاملة بعيدة المنال، في ظل انعدام الثقة بين القيادات، وتداخل العوامل الإقليمية والدولية في الصراع.

عرض العفو قد يكون خطوة تكتيكية في معركة طويلة، لكنه لا يشكل بحد ذاته حلًا جذريًا للأزمة. فالمشكلة تتجاوز مسألة دمج الميليشيا في الجيش، لتطال طبيعة الدولة السودانية، وتوازن القوى بين المكونات العسكرية والمدنية، ومستقبل الحكم بعد الحرب.

في المحصلة، يقف السودان عند مفترق طرق حاسم: إما أن ينجح خطاب التفكيك والعفو في تقليص نفوذ الميليشيا وفتح الباب أمام استعادة تدريجية لسلطة الدولة، أو أن يستمر الصراع في استنزاف البلاد، مع ما يحمله ذلك من مخاطر التفكك والانقسام. وبين هذين المسارين، يبقى المواطن السوداني هو الخاسر الأكبر، في حرب لم يخترها، لكنه يدفع ثمنها يوميًا من أمنه ولقمة عيشه ومستقبل أبنائه.

اقرأ أيضًا : ماذا يعني تسلّم مداخل عدن وانسحاب الميليشيا الإماراتية من المشهد الأمني؟