على مدار سنوات، روّجت أبوظبي ودبي لنفسيهما بوصفهما “واحة استقرار” في محيط إقليمي مضطرب؛ شمس مشرقة طوال العام، نمط حياة فاخر معفى من الضرائب، وبنية تحتية حديثة تستقطب رؤوس الأموال العالمية وكبار المديرين التنفيذيين. غير أن مشهد عطلة نهاية الأسبوع الأخيرة قلب الصورة رأسًا على عقب، بعدما اتسعت رقعة المواجهة إثر العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران، وما تبعه من ردود عسكرية طالت مواقع في الخليج، لتدخل المنطقة مرحلة غير مسبوقة من التوتر.

في هذا السياق، ذكر موقع “سيما فور” أن العاصمة السعودية الرياض برزت كوجهة رئيسية للأثرياء وكبار التنفيذيين العالقين في الخليج، الباحثين عن مخرج آمن من المنطقة. فالمطارات أُغلقت في عدة دول، والمجال الجوي بات عرضة للمخاطر، فيما أصبح مطار الرياض من بين القلائل الذين واصلوا العمل، ما دفع مئات الأشخاص إلى قطع مسافات طويلة بالسيارة للوصول إليه.

هذه التطورات لا يمكن قراءتها بمعزل عن جذور الأزمة: ضربة عسكرية أمريكية إسرائيلية استهدفت إيران، في خطوة وُصفت على نطاق واسع بأنها مغامرة خطيرة، أشعلت فتيل مواجهة مفتوحة، ودفعت المنطقة بأسرها إلى حافة الانفجار.

عدوان يشعل الخليج ويبدّد سردية “الاستقرار”

الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران لم يكن مجرد عملية عسكرية محدودة، بل مثل تحولًا استراتيجيًا في قواعد الاشتباك. فالضربة التي استهدفت العمق الإيراني أعادت رسم خطوط النار، ووسعت دائرة الردود، لتطال دولًا في الخليج لطالما اعتبرت نفسها بعيدة عن مرمى الصراع المباشر.

في خضم هذا التصعيد، سقطت صواريخ وطائرات مسيرة على مقربة من مراكز مالية وتجارية، وأُغلقت مسارات جوية وبحرية، وتوقفت رحلات، ما دفع الشركات الأمنية الخاصة إلى التدخل العاجل لإجلاء عملائها. ووفق ما نقله “سيما فور”، حجزت شركات أمنية أساطيل من سيارات الدفع الرباعي لنقل المديرين التنفيذيين وعائلاتهم في رحلة برية قد تستغرق عشر ساعات من دبي إلى الرياض، قبل استئجار طائرات خاصة تقلّهم إلى أوروبا أو وجهات أخرى.

تكلفة استئجار طائرة خاصة من الرياض إلى أوروبا وصلت، بحسب المصادر، إلى 350 ألف دولار، في مؤشر على حجم الذعر والطلب المتزايد على “مخارج آمنة”. بل إن شركات الأمن حاولت بداية استخدام سلطنة عُمان كمعبر للخروج، قبل أن يتعذر ذلك مع توسع نطاق الاستهدافات، ليبقى الخيار السعودي الأكثر أمانًا نسبيًا.

هذه الصورة تكشف هشاشة سردية “الاستقرار المطلق” التي طالما تباهت بها الإمارات. فبمجرد انخراطها، سياسيًا وأمنيًا، في سياسات المحور الأمريكي الإسرائيلي، أصبحت جزءًا من معادلة الرد والرد المضاد، ولم تعد بمنأى عن تداعيات أي مواجهة إقليمية.

نموذج اقتصادي قائم على الوكالة والارتهان

الأزمة الحالية لا تتعلق فقط بعمليات إجلاء أثرياء، بل تطرح سؤالًا أعمق حول طبيعة النموذج الإماراتي نفسه. فقد بُنيت الطفرة الاقتصادية في أبوظبي ودبي على مزيج من الانفتاح المالي، والعلاقات الوثيقة مع واشنطن، ثم الانخراط في مسار التطبيع العلني مع الاحتلال الإسرائيلي. هذا التموضع جعل الدولة تُقدَّم كـ”شريك موثوق” للغرب، وكمركز مالي محايد ظاهريًا.

غير أن الحياد لم يكن يومًا كاملًا. فالتحالفات الأمنية، والتنسيق العسكري، واستضافة منشآت وقواعد مرتبطة بالمصالح الأمريكية، كلها عوامل جعلت الإمارات جزءًا من شبكة النفوذ الإقليمي للولايات المتحدة. وعندما قررت واشنطن وتل أبيب توجيه ضربة لإيران، لم تكن دول الخليج خارج الحسابات الإيرانية، بل باتت ضمن معادلة الردع.

من هنا، فإن مشهد الأثرياء وهم يهربون عبر طرق صحراوية طويلة نحو الرياض، يعكس ليس فقط خوفًا فرديًا، بل اهتزازًا في الثقة بالمنظومة ككل. فالنظام الذي قدّم نفسه باعتباره “جزيرة استقرار” تبيّن أنه مرتبط عضوياً بمحاور صراع كبرى، وأن أمنه مرتبط بحسابات قوة عظمى لا تتردد في إشعال المنطقة لتحقيق أهدافها.

الهجوم الأمريكي الإسرائيلي على إيران، الذي وُصف بأنه دفاعي أو استباقي، فتح عمليًا باب مواجهة واسعة، وعرّض الملايين في المنطقة لمخاطر مباشرة، فيما يدفع المدنيون والمقيمون الثمن، سواء عبر الخوف، أو تعطّل الأعمال، أو النزوح المؤقت.

بين صراع القوى ومصير المنطقة

ما يجري اليوم في الخليج ليس حدثًا عابرًا، بل محطة مفصلية في تاريخ المنطقة. فالتصعيد العسكري الذي بدأ بقرار من واشنطن وتل أبيب، وأُنجز تحت شعارات “الردع” و”الأمن”، أظهر كيف يمكن لخطوة واحدة أن تزعزع استقرار اقتصادات بأكملها، وتدفع رؤوس أموال بمئات المليارات إلى البحث عن ملاذات بديلة.

الرياض، التي أصبحت محطة عبور رئيسية في هذه الأزمة، تقدم نموذجًا مختلفًا في هذه اللحظة، مستفيدة من موقعها الجغرافي واتساع مجالها الحيوي. غير أن السؤال الأهم يتجاوز الوجهات البديلة: هل يمكن لمنطقة تعج بالقواعد الأجنبية والتحالفات العسكرية أن تبقى مستقرة في ظل مغامرات عسكرية كبرى؟

إن هروب الأثرياء من الإمارات ليس مجرد تفصيل اقتصادي، بل إشارة سياسية واضحة إلى أن الأمن لا يُشترى بالإعفاءات الضريبية ولا بالأبراج الزجاجية. فحين تتداخل المصالح المالية مع حسابات الحرب، تصبح المدن اللامعة عرضة للاهتزاز.

لقد كشف العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران عن هشاشة بنية إقليمية بأكملها، وأظهر أن من يضع نفسه في موقع “الوكيل” أو “الشريك الأمني” في صراعات كبرى، لا يمكنه الادعاء لاحقًا بأنه خارج دائرة النار. وبينما تتواصل عمليات الإجلاء، تبقى المنطقة رهينة قرارات سياسية وعسكرية قد تدفعها نحو مزيد من التصعيد، ما لم يُعاد النظر جذريًا في منطق القوة الذي أشعل هذا المشهد المضطرب.

اقرأ أيضًا : مقتل 8 متظاهرين برصاص أمن القنصلية الأمريكية في كراتشي بعد اقتحامها احتجاجًا على اغتيال خامنئي