في هذا التحقيق الذي يحمل عنوان “علاقات إبستين الإفريقية، والروابط الإماراتية، وبروز نظام الهيمنة الصهيونية العالمية” أو ما يُعرف بـ Pax Judaica” – أي السلام اليهودي-، يتناول البروفيسور ديفيد ميلر دور دولة الإمارات العربية المتحدة، بالتعاون مع النظام الصهيوني، في تجريد الأصول، والمراقبة، وشراء النفوذ عبر القارة الإفريقية.
ثمة جوانب عديدة لهذا الملف، لكن الصورة الكبرى تتمثل في أن الطموحات التوسعية الصهيونية لا تتوقف عند الحدود المفترضة لما يسمى “إسرائيل الكبرى”، بل تمتد على الأقل إلى كامل القارة الإفريقية، ويبدو أنها حققت اختراقات جدية في هذا المسار بمساعدة جيفري إبستين، وبالاستناد إلى شركات تكنولوجية مرتبطة بالاستخبارات الصهيونية تبيع برامج تجسس وطائرات مسيّرة ومعدات مراقبة، وكثير من هذه الأنظمة مزوّد بما يشبه “الأبواب الخلفية”، بما يتيح للاستخبارات الصهيونية الوصول إلى بيانات المراقبة التي تُجمع عبر هذه البرمجيات في مختلف أنحاء القارة.
وكان جيفري إبستين قد تباهى مرة بأنه يعرف سلطان أحمد بن سليم، الرئيس التنفيذي لشركة الموانئ والشحن “دي بي وورلد”، معرفة وثيقة إلى حد أنه كان، على حد تعبيره، “يتولى عملياً” أنشطة الشركة في جيبوتي الواقعة في القرن الإفريقي. كما زعم إبستين أنه، نتيجة لهذه الصلة، جمع ثروة من تجارة السلاح والمخدرات والألماس. ورغم أن “دي بي وورلد” تُصنّف تقنياً على أنها شركة خاصة، فإنها في الواقع تُعد ذراعاً من أذرع السياسة الخارجية لدولة الإمارات العربية المتحدة. وفي الآونة الأخيرة، وُضعت كل هذه الإمكانات في خدمة المصالح الصهيونية، كما تكشف تصريحات إبستين نفسها، من حيث لا يقصد.
يفتتح البروفيسور ديفيد ميلر هذا التحقيق بعرض دور إبستين في مشروع إمبريالي صهيوني يمتد عبر إفريقيا. فالإفصاحات الأخيرة المتعلقة برحلات جيفري إبستين الواسعة واتصالاته المتشعبة داخل القارة، والمتداخلة مع أصول إماراتية رسمية مثل “دي بي وورلد”، تكشف، بحسب التحقيق، عن استراتيجية صهيونية محسوبة تهدف إلى الهيمنة على إفريقيا عبر شبكات استخباراتية، واستغلال الموارد، والرقابة السيبرانية. كما أن الرحلات التي وُصفت بأنها “إنسانية” والتي قام بها إبستين برفقة شخصيات مثل بيل كلينتون، كانت، وفق هذا الطرح، تخفي وراءها أجندات أعمق، إذ فتحت الأبواب أمام الوصول إلى دول في غرب إفريقيا مثل سيراليون ومالي والغابون والسنغال وأنغولا وساحل العاج، وهي مراكز ساحلية مهيأة للتهريب والتغلغل. كما أن تفاخره بالتحكم في ميناء جيبوتي، من خلال صلته بسلطان أحمد بن سليم، الرئيس التنفيذي لـ”دي بي وورلد”، يسلط الضوء على ترابط صهيوني-إماراتي يوظّف البنية التحتية للتجارة العالمية في خدمة السلاح والمخدرات والألماس، وبالطبع، التجسس.
ويقول التحقيق إن هذا التحالف، الذي تدعمه رسائل إلكترونية مسرّبة تمتد من عام 2006 إلى عام 2019، يكشف إبستين بوصفه أصلاً أساسياً ضمن الشبكة الصهيونية، إذ لعب دور الوسيط في صفقات مع أمراء حرب، ونخب سياسية، وأباطرة تكنولوجيا، في الوقت الذي كان يدفع فيه بعمليات الموساد ووحدة 8200 عبر موانئ “دي بي وورلد” في أنغولا وموزمبيق ورواندا والسنغال وغيرها. ومن شمال إفريقيا، في الجزائر ومصر، إلى القرن الإفريقي والمناطق الجنوبية من القارة، تعمل هذه الموانئ، بحسب التحقيق، كبوابات لعبور برامج تجسس مثل “بيغاسوس”، وطائرات مسيّرة من إنتاج “إلبيت سيستمز”، وشركات مراقبة أسسها ضباط سابقون في الجيش والاستخبارات الإسرائيليين، بما يكرس شكلاً من أشكال السيطرة الاستعمارية الجديدة تحت غطاء التنمية والأمن، فضلاً عن كونها قواعد عسكرية واستخباراتية لكل من الإمارات والكيان الصهيوني.
كما أورد التحقيق أن شهادة غيسلين ماكسويل أكدت أن الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون سافر على متن الطائرة الخاصة بإبستين في ما وُصف بأنه “رحلات إنسانية إلى إفريقيا” خلال السنوات الأولى من الألفية الثالثة. ففي حدود أغسطس/آب 2002، أمضى إبستين، وكلينتون، والممثل كيفن سبيسي، والممثل الكوميدي كريس تاكر، أسبوعاً في جولة على مواقع مشاريع مرتبطة بالإيدز في جنوب إفريقيا ونيجيريا وغانا ورواندا وموزمبيق.
ويعود البروفيسور ديفيد ميلر ليؤكد في هذا التحقيق، المعنون “صلات إبستين الإفريقية، والروابط الإماراتية، وبروز Pax Judaica”، أنه يفحص دور دولة الإمارات العربية المتحدة بالتعاون مع النظام الصهيوني في عمليات تجريد الأصول، والمراقبة، وشراء النفوذ عبر إفريقيا.
وفي رسالة مؤرخة عام 2011 طلب فيها الحصول على جواز سفر أمريكي ثانٍ، أدرج إبستين رحلات عمل مستقبلية إلى سيراليون ومالي والغابون. كما أفادت تقارير بأنه زار السنغال وأنغولا، فضلاً عن ساحل العاج. ويذهب التحقيق إلى أنه لا يكاد يكون هناك شك في أن هذه الرحلات كانت تستهدف خدمة أولويات السياسة الخارجية والاستخباراتية الصهيونية، وربما كذلك البحث عن فتيات صغيرات. وجميع هذه الدول تقع، بطبيعة الحال، في غرب إفريقيا، وجميعها، باستثناء مالي، تطل على الساحل.
كما أظهرت الإفصاحات الأخيرة بشأن إبستين، وفق التحقيق، صحة تصريحات سابقة كانت قد قوبلت بتشكيك واسع. فقد كان إبستين يتباهى بأنه جمع ثروة من السلاح والمخدرات والألماس لأنه يعرف مالك ميناء جيبوتي العميق، الذي وصفه بأنه “جنة المهرّبين”، معرفة وثيقة إلى حد أنه “كان عملياً يديره”.
وقد أكدت رسائل إلكترونية أُفرج عنها حديثاً أن الشخص المقصود هو سلطان أحمد بن سليم، الرئيس التنفيذي لشركة “دي بي وورلد”، وهي شركة تمثل أصلاً من أصول الدولة الإماراتية. كما أن شهادة غيسلين ماكسويل تضيف تأكيداً آخر، إذ قالت: “أراني صورة له مع بعض أمراء الحرب الأفارقة.”
ويرى التحقيق أن الصلة الإماراتية ذات دلالة واضحة. فقد كان بن سليم على تواصل مكثف مع إبستين منذ عام 2006 على الأقل وحتى وفاة إبستين عام 2019. وإذا أخذنا في الاعتبار ما هو معروف عن وصول الموساد والقوات الخاصة الصهيونية إلى مواقع “دي بي وورلد”، إلى جانب دور كل من الإمارات والصهاينة في عدد من الدول الإفريقية، فإن المشهد يبدأ في الظهور على هيئة شبكة تمتد على مستوى القارة كلها. وهذا، بحسب التحقيق، يضاف إلى التركيز المكثف الذي يوجهه الصهاينة والإماراتيون نحو القرن الإفريقي، بما في ذلك أرض الصومال والسودان وإثيوبيا على وجه الخصوص، وهي مناطق تقع مباشرة على الضفة المقابلة من البحر الأحمر لليمن، كما سبق أن أشار ميلر في مواضع أخرى.
ويعرض التحقيق العلاقة بين إبستين وبن سليم بوصفها نموذجاً على كيفية استغلال الشبكات المتحالفة مع المشروع الصهيوني للبنية التحتية التجارية العالمية في خدمة أهداف إمبريالية، من خلال مزج الانتهازية المالية بالعمليات الاستخباراتية. وتكشف الرسائل الإلكترونية المسرّبة عن علاقة استمرت عقداً كاملاً، تخللتها خدمات متبادلة، وعروض أعمال، ومناورات سياسية. ففي مايو/أيار 2015 مثلاً، أرسل بن سليم إلى إبستين رسالة يطلب فيها تعريفا بإيلون ماسك لمناقشة بطاريات تسلا لمشروع فندقي في دبي، وجاء فيها: “هل يمكنك أن تضعني على اتصال بإيلون ماسك، أو أن تطلب منه أن يحيلني إلى شخص في شركته حتى نتمكن من المناقشة؟” ويشير موقع The Lever، كما ينقل التحقيق، إلى أن هذا الطلب جاء بعد سنوات من إدانة إبستين عام 2008 في قضية تتعلق باستدراج قاصر.
كما اقترح إبستين تعريف بن سليم بشخصيات صهيونية مثل إيهود باراك، قائلاً: “إنه اليد اليمنى لمكتوم. أظن أنه ينبغي أن تلتقيه”، في إشارة إلى حاكم دبي. وتكشف هذه التفاعلات، بحسب التحقيق، عن شبكة تتخذ من الموانئ الإماراتية مراكز لتغلغل صهيوني يتيح المراقبة، وتهريب السلاح، واستخراج الموارد عبر إفريقيا، تحت ستار التنمية الاقتصادية.
وكثيراً ما كانت المراسلات بينهما تنزلق إلى ما هو شخصي وسياسي. ففي يناير/كانون الثاني 2017، وقبيل حفل التنصيب الأول لدونالد ترامب، استفسر بن سليم عن إمكانية حضور المناسبة والحصول على مصافحة من ترامب، قائلاً: “هل تظن أنه سيكون من الممكن أن أصافح ترامب؟” أما إبستين، الذي كان يؤدي دور الواسطة والموصل بين الأطراف، فقد أثنى أيضاً على ستيف بانون في رسالة إلى بن سليم عام 2018 قائلاً: “لقد أصبحنا أصدقاء، وستعجبك شخصيته”، فرد بن سليم مشيراً إلى أن ترامب لا يحب بانون. وتبرز مثل هذه التبادلات، بحسب التحقيق، دور إبستين كأداة ضمن شبكة صهيونية تسهّل الربط بين رأس المال الإماراتي والمصالح الغربية وصناع القرار.
كما تعززت هذه العلاقة عبر مشاريع تجارية. ففي ديسمبر/كانون الأول 2016، تضمنت رسالة صادرة من عنوان بن سليم الإلكتروني عرضاً لمهندسين معماريين لتطوير الجزر الخاصة التي يملكها إبستين كمنتجع فاخر، وجاء فيها: “السيد جيفري إبستين صديق عزيز جداً وشريك أعمال لي. وهو يملك جزيرتين جميلتين في جزر العذراء الأمريكية، ويريد تطوير منتجع خاص لاستخدامه الخاص، ولاستخدام عملائه وأصدقائه بصورة حصرية.”
ويرى التحقيق أن هذا المقترح، الذي جاء في سياق إعادة تأهيل صورة إبستين بعد إدانته، يوضح كيف استخدم بن سليم الامتداد العالمي لـ”دي بي وورلد”، المتداخل في كثير من الأحيان مع النفاذ العسكري الصهيوني، للدفع نحو مصالح مشتركة.
لكن ما هو أكثر إثارة للاضطراب، بحسب التحقيق، هو ما تكشفه الرسائل من تبادل لمواد فاضحة أو محرجة. ففي إحدى الحالات، أعاد إبستين توجيه محتوى جنسي فاضح مرتبط بفضيحة في ليبيريا في نوفمبر/تشرين الثاني 2007. وكتب إلى بن سليم أنه سمع “قصة مضحكة” من امرأة يعرفانها معاً. أما بن سليم، الذي حصل في عام 2022 على جائزة أممية تتعلق بالمساواة بين الجنسين، فقد رد بعبارة مبتذلة جاء فيها: “نعم، وبعد عدة محاولات على مدى عدة أشهر تمكنا من اللقاء في نيويورك. كان هناك سوء فهم، فهي كانت تريد بعض BUSINESS! بينما أنا لم أكن أريد إلا بعض PUSSYNESS!”
ورد إبستين قائلاً: “الحمد لله، ما زال هناك أناس مثلك.” ويضيف التحقيق أنه، ومما يزيد هذا المشهد انحطاطاً، أن هيئة الإذاعة البريطانية BBC أوضحت أن إبستين بعث إلى بن سليم في أبريل/نيسان 2009 رسالة بعنوان: “أين أنت؟ هل أنت بخير؟ لقد أحببت فيديو التعذيب.” وتوحي الرسالة بأن بن سليم هو من شارك الفيديو أو أرسله، مع أن مضمونه لا يزال غير واضح، ولم تتوافر في الملفات أي تفاصيل إضافية بشأنه. وقد أشار عضو الكونغرس الأمريكي توماس ماسي إلى هذا التبادل بعد اطلاعه على وثائق غير منقحة، وهو ما يعكس، بحسب التحقيق، مدى ارتياح الطرفين لتبادل مواد قد تكون غير مشروعة، ويثير أسئلة حول تقدير بن سليم وربما انخراطه في أنشطة أكثر قتامة.
ويقول التحقيق إن ما كشفته وثائق وزارة العدل الأمريكية التي نُشرت في نهاية يناير/كانون الثاني 2026 بشأن إبستين، كان مدمراً إلى درجة لم يتمكن معها بن سليم من الصمود. ووفق ما أوردته وكالة رويترز، أعلنت “دي بي وورلد” في 13 فبراير/شباط 2026 استقالة بن سليم من منصبي رئيس مجلس الإدارة والرئيس التنفيذي، على أن يسري القرار فوراً. والشركة، التي تُعد ركناً أساسياً في اقتصاد دبي وتتولى مناولة نحو 10% من حركة الحاويات العالمية، عيّنت عيسى كاظم رئيساً جديداً، ويوفراج نارايان رئيساً تنفيذياً للمجموعة، وسط تصاعد الضغوط من الشركاء وتزايد التدقيق في صلات إبستين.
ويمثل عزله، بحسب التحقيق، سقوطاً مدوياً لمهندس توسع “دي بي وورلد”، الذي شغل أعلى المناصب فيها منذ عام 2007. ويرى منتقدون أن هذه الفضيحة تسلط الضوء على مواطن هشاشة في شبكات التجارة العالمية، حيث يتيح أشخاص مثل بن سليم للنفوذ الصهيوني الترسخ عبر تشغيل الموانئ في مواقع استراتيجية. وقد تحركت حكومة دبي، التي تشرف على “دي بي وورلد”، بسرعة لتبتعد عنه، فأزالت صورته من الموقع الإلكتروني للشركة، وأرسلت إشارة واضحة إلى قطع الصلة به. ومع ذلك، فإن هذه الواقعة تفتح الباب، بحسب التحقيق، أمام تساؤل أوسع: كم من التحالفات الأخرى ما زال كامناً في ظلال التجارة الإمبريالية الصهيونية؟
ويرى التحقيق أن هذه الانكشافات الفاضحة تفرض ضرورة المساءلة، كما تفرض فحصاً أعمق لكيفية استمرار هذه الشبكات في تكريس الاستغلال، وتعزيز الأهداف التوسعية للنظام الصهيوني، أي الدفع نحو ما يسميه Pax Judaica.
ويشير إلى أن “دي بي وورلد” تمتلك مرافق في موانئ إفريقية داخل الدول التي زارها إبستين، وهي: أنغولا، وموزمبيق، ورواندا، والسنغال. أما الجزائر، ومصر، وأرض الصومال، حيث كان لـ”دي بي وورلد” مواقع أيضاً، فلا توجد، حتى الآن، أدلة قاطعة على أن إبستين زارها.