نعم، إن تغيير الأنظمة قد يكون الطريق لإنهاء حروب الشرق الأوسط، لكن ليس كما يطرحه دعاة الحرب. فالتغيير الحقيقي الذي قد يضع حدّاً لهذا المسار الدموي لن يكون في طهران، بل في واشنطن وتل أبيب. وحده توقف الدعم الأميركي لإسرائيل – إذا ما جاء نتيجة تنامي الغضب داخل الولايات المتحدة من الطبقة السياسية المرتبطة بإسرائيل وفضائحها، ومن بينها شبكة إبستين – يمكن أن يوقف اندفاعة إسرائيل نحو الهيمنة الإقليمية.

في نهاية الأسبوع الماضي، كانت سماء طهران ملبّدة بسحب سوداء كثيفة من دخان النفط، بعدما قصفت إسرائيل مستودعات الوقود في العاصمة. هذه الهجمات أطلقت في الهواء أبخرة سامة علقت في حناجر ورئات ملايين السكان. أما الآثار الصحية طويلة المدى – من أمراض تنفسية وسرطانات ووفيات مبكرة – فلا يمكن تقديرها الآن. ويكفي التذكير بأن عدد من توفوا لاحقاً بسبب السرطانات المرتبطة بالغبار السام بعد هجمات 11 سبتمبر كان أكبر من عدد الضحايا الذين سقطوا يوم الهجوم نفسه.

المشاهد بدت أقرب إلى نهاية العالم، واستحضرت إلى الأذهان صور حرب الخليج الأولى قبل خمسة وثلاثين عاماً، عندما أشعلت القوات العراقية المنسحبة آبار النفط في الكويت، فحوّلت النهار إلى ليل فوق سماء الخليج. غير أن ذلك التدمير البيئي لم يكن يحدث في قلب مدينة يسكنها عشرة ملايين إنسان.

ما يُعرف بعملية “الغضب الأسطوري” هو حرب اختيارية بدأت باغتيال رأس الدولة الإيرانية علي خامنئي، إلى جانب عشرات المسؤولين الكبار، ثم تلتها ضربة ثانية استهدفت مدرسة للبنات وأدت إلى مقتل 165 طفلة. مثل هذه الجرائم ليست جديدة في تاريخ الحروب الأميركية؛ ففي حرب الخليج عام 1991 قصفت الولايات المتحدة ملجأً مدنياً وقتلت نحو 400 طفل مع ذويهم.

إنها حرب تستهدف المدن الكبرى والسكان المدنيين. وقد أعلن وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث صراحة تجاهله لقواعد الاشتباك، متباهياً بما وصفه بمشهد “القادة الإيرانيين وهم ينظرون إلى السماء فلا يرون سوى القوة الجوية الأميركية والإسرائيلية: قاذفات B-52 وB-2 وB-1 والطائرات المسيّرة، تختار أهدافها وتمطر الموت والدمار من السماء طوال اليوم”.

في الوقت ذاته تشن إسرائيل حرباً على السكان المدنيين في جنوب لبنان والعاصمة بيروت، حيث أُجبر نحو 700 ألف شخص على النزوح من منازلهم، فيما قُتل قرابة 600 شخص خلال أسبوع واحد فقط، بينهم 86 طفلاً. ولو أن إيران أو حزب الله تسببا في هذا الحجم من القتل والمعاناة، لكانت وسائل الإعلام الغربية في حالة صخب هائل. لكن القصف الإسرائيلي المتواصل يُقدَّم باعتباره مجرد “عمليات عسكرية”، كما حدث خلال الحرب الإسرائيلية المدمرة على غزة.

كان دونالد ترامب قد ادعى أنه أنهى سبع حروب خلال عامه الأول في الحكم، وأعلن إنشاء “مجلس للسلام” بهدف إحلال السلام في العالم. لكن الواقع مختلف تماماً: فالحرب على غزة لم تتوقف في أكتوبر الماضي، كما لم تنتهِ الحرب على لبنان مع وقف إطلاق النار في نوفمبر 2024. واليوم انضم ترامب إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في حرب غير مبررة ضد إيران، وهي الحرب التي كان نتنياهو يخطط لها منذ عقود، وقد وجد أخيراً رئيساً أميركياً مستعداً لتنفيذ كل ما يطلبه.

السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام عبّر بوضوح عن الدوافع الاقتصادية الكامنة وراء هذا الصراع عندما قال: “عندما يسقط هذا النظام سنشهد شرق أوسط جديداً، وسنجني أموالاً طائلة. فنزويلا وإيران تملكان 31 في المئة من احتياطي النفط العالمي. سنقيم شراكة مع هذه الاحتياطيات. هذا كابوس الصين، لكنه استثمار جيد لنا”.

هذه التصريحات توضح أن استهداف إيران، وكذلك محاولة السيطرة على فنزويلا، يأتيان ضمن استراتيجية للهيمنة على إمدادات النفط العالمية وحرمان المنافس الرئيسي، الصين، منها.

أما السياق الداخلي في الولايات المتحدة الذي سبق اندلاع هذه الحرب فيمكن اختصاره بكلمة واحدة: إبستين. فاسم ترامب يتكرر في ملفات إبستين، كما أكد أعضاء في الكونغرس اطلعوا عليها. وقد اندلعت الحرب في أسبوع شهد نشر شهادات جديدة كانت مخفية سابقاً، اتهمت ترامب وإبستين بالاعتداء الجنسي على فتاة قاصر. ترامب ينفي هذه الاتهامات، لكن الأزمة السياسية التي تلاحقه جعلته رئيساً ضعيفاً يسعى إلى تعويض تراجعه السياسي بمغامرات عسكرية خطيرة.

الهدف المعلن لهذه الحرب هو تغيير النظام في إيران، وهو الهدف نفسه الذي رافق الغزو الروسي لأوكرانيا. وكما أدى ذلك الغزو إلى زعزعة الاستقرار العالمي، فإن الحرب الحالية تدفع النظام الدولي نحو مزيد من الفوضى. غير أن بوتين لا يواجه ضغط الانتخابات النصفية عندما يرسل جنوده إلى ساحات القتال، بينما يواجه ترامب حسابات سياسية داخلية ضاغطة.

وعند النظر إلى خريطة العالم يتضح وجود قوس ممتد من الحروب يبدأ من السودان على الساحل الشرقي لإفريقيا، مروراً بمضيق باب المندب واليمن ودول الخليج وإيران، ثم فلسطين المحتلة وإسرائيل ولبنان، وصولاً إلى البحر الأسود والحرب بين روسيا وأوكرانيا. وفي الشرق غرقت سفينة إيرانية بعد إصابتها بطوربيد أميركي قرب سريلانكا على بعد آلاف الكيلومترات من ساحة القتال، بينما تعيش كوبا في نصف الكرة الغربي تحت حصار أميركي متواصل.

منذ السابع من أكتوبر 2023 توسعت الحروب التي تخوضها إسرائيل والولايات المتحدة لتشمل المنطقة بأكملها، بل وتؤثر في العالم، خصوصاً مع التهديد بإغلاق مضيق هرمز واستهداف منشآت النفط والغاز في الخليج. ويرى بعض المراقبين، ومنهم الاقتصادي جيفري ساكس من جامعة كولومبيا، أن هذا التصعيد قد يمثل المراحل الأولى لحرب عالمية ثالثة.

لكن كيف يمكن أن تنتهي هذه الحرب؟ لا أحد يعرف. الإيرانيون يبدون واثقين من أن الولايات المتحدة بدأت حرباً لا تستطيع إنهاءها. قادة الجيش والحرس الثوري الإيراني يقولون إنهم مستعدون لحرب استنزاف طويلة، مؤكدين امتلاكهم مخزونات تكفي لعشر سنوات من القتال.

التاريخ القريب يقدم أمثلة واضحة على نتائج حروب تغيير الأنظمة. ففي العراق أعلن جورج بوش الابن “انتهاء المهمة” بعد شهرين فقط من الغزو عام 2003، لكن الحرب استمرت سنوات طويلة وأسفرت عن مئات الآلاف من القتلى. وفي ليبيا استمرت حملة الناتو الجوية سبعة أشهر حتى مقتل معمر القذافي، قبل أن تنزلق البلاد إلى حرب أهلية استمرت أكثر من عقد، بينما وقعت شركات النفط الغربية لاحقاً صفقات ضخمة لاستغلال الثروات الليبية.

قد يحدث تغيير في الأنظمة بالفعل، لكن إذا كان الهدف هو إنهاء دوامة الحروب المتوسعة في المنطقة، فإن التغيير المطلوب ينبغي أن يحدث في الأنظمة المتهورة في واشنطن وتل أبيب، لا في طهران.

فإيران ليست عراق صدام حسين ولا ليبيا القذافي، بل دولة كبيرة تضم نحو تسعين مليون نسمة ولديها مؤسسات عميقة الجذور قادرة على الاستمرار حتى بعد اغتيال قادتها. وقد اعتقد نتنياهو وترامب أن مقتل خامنئي سيؤدي إلى انهيار النظام وخروج الإيرانيين إلى الشوارع لإسقاط حكومتهم، تماماً كما رُوّج قبل غزو العراق عام 2003، لكن هذا التصور قد يكون وهماً آخر.

حروب تغيير الأنظمة غالباً ما تتحول إلى صراعات وحشية تطلق العنان للتوترات العرقية والطائفية بعد تدمير مؤسسات الدولة. وهذا بالضبط ما قد تسعى إليه إسرائيل في إيران، بينما يركز الأميركيون أساساً على النفط.

داخلياً، يواجه ترامب أزمة سياسية عميقة، ومع اقتراب الانتخابات قد يظهر جيل جديد من الديمقراطيين المناهضين للحرب. ومع فضيحة إبستين وتداعيات هذه الحرب، يصعب تصور أن يكمل ترامب ولايته الثانية بسهولة.

أما نتنياهو، فعلى عكس ترامب، يحظى بدعم واسع داخل إسرائيل لشن الحروب في غزة ولبنان وإيران وربما في أماكن أخرى. إسرائيل تعيش حالة من الحمى الحربية ذات الطابع العقائدي.

وحده قطع الدعم الأميركي لإسرائيل – إذا ما جاء نتيجة غضب شعبي أميركي متزايد من هيمنة الطبقة السياسية المرتبطة بإسرائيل – يمكن أن يوقف اندفاعها نحو الهيمنة الإقليمية. وإلا فإن الأمر قد ينتهي بهزيمة كارثية.

القيادة الإيرانية الجديدة، ممثلة بمجتبى خامنئي، تمتلك أسباباً شخصية قوية للانتقام بعد مقتل والده وأفراد من عائلته في الهجوم الأخير. ويبدو أن إيران لم تعد تسعى لتجنب المواجهة، بل أصبحت تهدف إلى توجيه ضربة حاسمة. وكما قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف: إن “الكيان الصهيوني يقوم وجوده على استمرار دورة الحرب ثم التفاوض ثم وقف إطلاق النار ثم الحرب مجدداً من أجل تثبيت هيمنته، لكننا سنكسر هذه الدورة”.

يبقى السؤال المطروح: أي نظام سيسقط أولاً؟ وكم سيكون الثمن الذي سيدفعه العالم من الدماء والثروات قبل أن تتوقف هذه الحروب.