كشفت تقارير صحفية غربية عن تصاعد انقسام حاد داخل الإدارة الأمريكية بشأن كيفية إدارة الحرب المتصاعدة مع إيران، في مؤشر جديد على وجود صراع سياسي مبكر داخل الحزب الجمهوري حول مستقبل القيادة الأمريكية بعد انتهاء ولاية الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. ويتركز هذا الانقسام بين نائب الرئيس جي دي فانس، الذي يميل إلى خيار التهدئة والدبلوماسية، ووزير الخارجية ماركو روبيو، الذي يتبنى خطاباً متشدداً يدفع نحو استمرار التصعيد العسكري.

ووفق ما نشرته صحيفة ألمانية، فإن هذا الخلاف لم يعد مجرد اختلاف في وجهات النظر داخل الفريق الرئاسي، بل أصبح يعكس معركة سياسية خفية تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع الطموحات الانتخابية المبكرة لانتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2028.

صراع داخل الإدارة حول مسار الحرب

تشير المعلومات المتداولة إلى أن إدارة ترامب تعيش حالة انقسام حقيقي حول طريقة التعامل مع إيران، خاصة بعد اتساع رقعة المواجهة العسكرية في المنطقة. فبينما يواصل الرئيس الأمريكي إظهار الحماسة تجاه العمليات العسكرية، متحدثاً عن “نجاحات ميدانية” في ضرب البنية العسكرية الإيرانية، فإن بعض أركان إدارته يرون أن التصعيد قد يقود إلى حرب إقليمية واسعة لا يمكن التحكم في نتائجها.

في هذا السياق، يبرز نائب الرئيس جي دي فانس كأحد الأصوات التي تدعو إلى مراجعة مسار الحرب والبحث عن قنوات دبلوماسية لاحتواء التصعيد، في حين يقود وزير الخارجية ماركو روبيو تياراً أكثر تشدداً داخل الإدارة، يدفع باتجاه مواصلة الضغوط العسكرية والاقتصادية على طهران دون تقديم تنازلات سياسية.

هذا التباين يعكس اختلافاً أعمق في الرؤية الاستراتيجية داخل الإدارة الأمريكية، حيث يرى فريق فانس أن الحرب المفتوحة قد تستنزف الولايات المتحدة سياسياً واقتصادياً، بينما يعتقد فريق روبيو أن إظهار القوة هو السبيل الوحيد لفرض الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط.

ترامب يميل إلى الخط المتشدد

رغم هذا الانقسام، تشير التسريبات إلى أن الرئيس دونالد ترامب يميل بشكل واضح إلى دعم موقف وزير خارجيته ماركو روبيو، وهو ما يعزز نفوذ التيار المتشدد داخل الإدارة الأمريكية.

ووفق ما نقلته الصحيفة، فإن لحظة محرجة تعرض لها نائب الرئيس جي دي فانس عندما سأل ترامب مجموعة من كبار المانحين الجمهوريين عن الشخصية الأنسب لخلافته في المستقبل، بين فانس وروبيو، فجاءت الإجابات شبه إجماعية لصالح وزير الخارجية.

هذا الموقف يعكس تراجع مكانة فانس داخل الدائرة الضيقة المحيطة بترامب، خاصة بعد أن أبدى تحفظات على توسيع العمليات العسكرية ضد إيران، وهو ما اعتبره بعض صقور الحزب الجمهوري موقفاً “ضعيفاً” لا يتناسب مع الخطاب السياسي الذي يتبناه ترامب.

حرب إيران تتحول إلى ساحة صراع سياسي

يرى مراقبون أن الخلاف بين فانس وروبيو لا يقتصر على الملف الإيراني، بل يمثل بداية مبكرة لمعركة سياسية داخل الحزب الجمهوري حول هوية المرشح الذي سيخلف ترامب في انتخابات 2028.

فمع القيود الدستورية التي تمنع الرئيس الأمريكي من الترشح لأكثر من فترتين، بدأت مراكز القوى داخل الحزب الجمهوري تتحرك مبكراً لترتيب أوراق الخلافة السياسية، وهو ما يجعل الحرب على إيران تتحول إلى ساحة اختبار سياسي بين القيادات الصاعدة في الحزب.

وبينما يسعى روبيو إلى ترسيخ صورته كسياسي قوي قادر على قيادة سياسة خارجية هجومية، يحاول فانس تقديم نفسه كصوت واقعي يدرك حدود القوة العسكرية الأمريكية في عالم يتجه نحو تعددية قطبية.

سياسة أمريكية قائمة على الحروب

في خلفية هذا الصراع الداخلي، تبرز انتقادات متزايدة للدور الأمريكي في إشعال النزاعات الدولية، حيث يرى منتقدون أن السياسة الخارجية لواشنطن ما زالت تقوم على منطق الهيمنة العسكرية وإدارة الأزمات بدلاً من حلها.

فالحرب على إيران، بحسب العديد من المحللين، ليست مجرد مواجهة مع دولة إقليمية، بل جزء من استراتيجية أمريكية أوسع تهدف إلى إعادة تشكيل موازين القوى في الشرق الأوسط بما يخدم المصالح الاستراتيجية والاقتصادية لواشنطن.

كما يشير منتقدو الإدارة الأمريكية إلى أن الخطاب الذي يتحدث عن “الدفاع عن الأمن والاستقرار” غالباً ما يخفي وراءه حسابات جيوسياسية مرتبطة بالسيطرة على مصادر الطاقة وطرق التجارة الدولية، إضافة إلى الحفاظ على التفوق العسكري الأمريكي في المنطقة.

مستقبل مجهول للصراع

مع استمرار العمليات العسكرية وتزايد حدة التوتر، يبدو أن الخلاف داخل الإدارة الأمريكية قد يتعمق في المرحلة المقبلة، خاصة إذا تحولت المواجهة مع إيران إلى حرب طويلة الأمد.

وفي ظل هذا المشهد المعقد، يجد البيت الأبيض نفسه أمام معادلة صعبة: الاستمرار في التصعيد العسكري مع ما يحمله من مخاطر استراتيجية، أو البحث عن مخرج سياسي قد يُفسَّر داخلياً على أنه تراجع أمام خصم إقليمي.

لكن المؤكد أن الانقسام بين فانس وروبيو يكشف حقيقة أعمق داخل السياسة الأمريكية، وهي أن الحروب الخارجية كثيراً ما تتحول إلى أدوات للصراع الداخلي على السلطة، حيث تختلط الحسابات العسكرية بالطموحات السياسية في سباق مبكر نحو البيت الأبيض.

اقرأ أيضًا : الاحتلال يغلق الأقصى في رمضان ويمنع المصلين وسط دعوات لإحياء ليلة القدر رغم الحصار