أثارت تصريحات الإعلامي الإماراتي من أصول عُمانية جمال الملا موجة غضب واسعة داخل سلطنة عُمان، لم تكن مجرد رد فعل عابر على كلمات مثيرة للجدل، بل تحولت إلى نقاش أعمق حول الهوية والانتماء ودور الإعلام في توجيه الرأي العام ضمن صراعات إقليمية متشابكة. فالقضية لم تتوقف عند حدود انتقاد موقف مسقط من إيران، بل تجاوزتها لتفتح ملفًا حساسًا يتعلق باستخدام الإعلام كأداة ضغط سياسي، ومحاولة إعادة تشكيل مواقف دول المنطقة بما يخدم أجندات معينة.

تصريحات تتجاوز النقد إلى الاستفزاز

بدأت الأزمة حين وجّه جمال الملا انتقادات لاذعة للسياسة العُمانية، خاصة ما يتعلق بعدم اتهام إيران بشكل مباشر بالوقوف خلف الهجمات التي استهدفت منشآت حيوية في موانئ الدقم وصلالة وصحار. واعتبر الملا أن هذا الموقف يخلق “فراغًا في الرأي العام”، لكنه سرعان ما صعّد خطابه إلى مستوى اعتبره كثيرون مهينًا، عندما استشهد ببيت شعري يتحدث عن “النذالة”، في سياق فهم على أنه إسقاط مباشر على مواقف سلطنة عُمان.

هذا التحول من النقد السياسي إلى التلميح الأخلاقي أثار استياءً واسعًا، إذ رأى فيه العُمانيون تجاوزًا غير مقبول، خاصة وأن الملا كان يُعرف سابقًا كإعلامي وشاعر ينتمي للسلطنة، قبل حصوله على الجنسية الإماراتية.

غضب شعبي واتهامات بـ”الانقلاب”

ردود الفعل على مواقع التواصل الاجتماعي لم تتأخر، حيث اتهم ناشطون الملا بـ”الانقلاب” على بلده الأصلي، واعتبروا أن تصريحاته تعكس تبنيًا كاملًا لخطاب سياسي إماراتي يسعى إلى التشكيك في سياسات بعض دول الخليج، وعلى رأسها سلطنة عُمان.

ورأى كثيرون أن ما قاله الملا لا يمكن فصله عن سياق أوسع يتمثل في توظيف بعض الإعلاميين المجنسين لخدمة توجهات سياسية محددة، خاصة في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، حيث تصبح مواقف “الحياد” غير مرحب بها لدى بعض الأطراف التي تسعى إلى اصطفافات واضحة.

سياسة الحياد العُمانية تحت المجهر

لطالما تبنت سلطنة عُمان سياسة خارجية قائمة على الحياد والتوازن، وهو نهج أكسبها احترامًا دوليًا، ومكّنها من لعب أدوار وساطة في أزمات معقدة. إلا أن هذه السياسة باتت مؤخرًا عرضة لانتقادات متزايدة، خاصة من بعض الأصوات الإعلامية التي ترى فيها “ترددًا” أو “غموضًا”.

تصريحات الملا جاءت في هذا السياق، لكنها حملت نبرة تصعيدية، حيث ألمح في إحدى حلقات البودكاست إلى أن “الحكمة العُمانية” قد تكون “طيبة زائدة”، وهو توصيف رفضه العُمانيون بشدة، معتبرين أنه تقليل من شأن استراتيجية أثبتت فعاليتها لعقود.

الإعلام كأداة ضغط سياسي

القضية تكشف أيضًا عن دور الإعلام في الصراعات الإقليمية، حيث لم يعد مجرد ناقل للأحداث، بل أصبح لاعبًا رئيسيًا في تشكيل السرديات. فاستضافة منصات إعلامية لشخصيات تحمل خلفيات متعددة وتمنحها مساحة للهجوم على دولها الأصلية، يطرح تساؤلات حول حدود حرية التعبير، ومدى ارتباط هذه المنصات بأجندات سياسية.

وفي هذا السياق، يرى مراقبون أن الإمارات عملت خلال السنوات الماضية على استقطاب إعلاميين من دول عربية وخليجية، ومنحهم الجنسية، ما أتاح لها بناء شبكة إعلامية متعددة الأصوات ظاهريًا، لكنها متقاربة في الخطاب والمواقف.

“دعاة بن زايد” وصناعة الاصطفاف

يتجاوز الجدل حول جمال الملا شخصه، ليمس ما يصفه منتقدون بـ”دعاة بن زايد”، في إشارة إلى شخصيات إعلامية وأكاديمية تعمل على الترويج لسياسات تدفع نحو مزيد من التصعيد في المنطقة، بدلًا من التهدئة.

ويحذر هؤلاء من أن هذا الخطاب يسعى إلى خلق حالة من الاستقطاب الحاد، ودفع الدول العربية إلى اتخاذ مواقف متشددة، خاصة في ما يتعلق بإيران، ما قد يفتح الباب أمام صراعات أوسع في المنطقة.

بين الهوية والانتماء

أحد أبرز أبعاد هذه القضية هو البعد الهوياتي، حيث أعادت تصريحات الملا طرح سؤال قديم جديد: هل يمكن للإعلامي أن ينفصل عن جذوره بالكامل بعد تغيير جنسيته؟ أم أن هناك مسؤولية أخلاقية تجاه بلده الأصلي؟

بالنسبة لكثير من العُمانيين، لم يكن غضبهم فقط بسبب ما قيل، بل بسبب من قاله. فالملا، الذي كان يُنظر إليه كأحد أبناء السلطنة، أصبح في نظرهم نموذجًا لما يمكن أن يحدث عندما تتداخل المصالح السياسية مع العمل الإعلامي.

أزمة مرشحة للتصعيد

في ظل استمرار التوترات الإقليمية، يبدو أن مثل هذه الأزمات مرشحة للتكرار، خاصة مع تصاعد دور الإعلام الجديد ومنصات البودكاست، التي تمنح مساحة أكبر للتعبير غير المقيد.

ويبقى السؤال الأهم: هل ستتمكن دول الخليج من احتواء هذه التوترات الإعلامية، أم أن “حروب الكلمات” ستتحول إلى عامل إضافي في تعميق الانقسامات داخل المنطقة؟

اقرأ أيضًا : إغلاق مضيق هرمز يهدد الاقتصاد العالمي ويضع واشنطن في مأزق مالي غير مسبوق