في مشهدٍ مهيب أعاد للأذهان زمن “الانتصارات الكبرى” وكسر هيبة المحتل، شهد المسجد الأقصى المبارك زحفاً بشرياً غير مسبوق في “الجمعة اليتيمة” من شهر رمضان المبارك. فرغم أطواق الحصار، والحواجز العسكرية التي قطعت أوصال الضفة الغربية، ومنع مئات الآلاف من الوصول؛ تمكن قرابة 250 ألف مصلٍّ من الوصول إلى باحات المسجد، محولين باحاته إلى “لوحة صمود” نابضة بالحياة، في رسالة نارية للاحتلال الصهيوني بأن “الأقصى خط أحمر” لا يقبل القسمة ولا التهويد، وأن قلوب الفلسطينيين لا تزال معلقة بغزة ومقاومتها رغم كل الجراح.

زحف “المستحيل”.. كيف هزم المصلون حواجز الاحتلال؟

منذ ساعات الفجر الأولى، تحولت شوارع القدس العتيقة وأزقتها إلى شرايين تتدفق بالبشر؛ حيث تدفق الآلاف من أهل القدس، والداخل المحتل، ومن استطاع “التهريب” من مدن الضفة الغربية. مشهد المصلين وهم يفترشون الأرض في باحات الأقصى وتحت قبابه، وصفه مقدسيون لـ “العدسة بوست” بأنه “كأنه العيد”؛ حيث غصت المصليات بالشباب والنساء والأطفال، وتلاشت إجراءات التضييق الصهيونية أمام إرادة “الرباط” التي تجددت في هذا اليوم الفضيل، لتثبت أن القدس كانت وستبقى عاصمة الروح والجسد للفلسطينيين.

خطبة “الميدان”.. الأقصى وبوصلة غزة

في خطبته التي هزت أركان المسجد، شدد خطيب المسجد الأقصى، الشيخ عكرمة صبري، على أن الرباط في المسجد هو “فعل مقاومة” وضرورة شرعية لحمايته من أطماع المستوطنين. الخطبة لم تكن دينية فحسب، بل كانت سياسية بامتياز؛ حيث ربط بين ما يتعرض له الأقصى من تدنيس وما تتعرض له غزة من إبادة، مؤكداً أن “القدس هي البوصلة والمحور”، وأن وحدة الساحات تبدأ من مآذن الأقصى لتصل إلى خنادق المقاومة. الهتافات التي انطلقت عقب الصلاة لغزة والأسرى، أكدت أن الاحتلال فشل في فصل “القدس عن قضيتها الأم”.

استنفار صهيوني.. رعب “الزحف الأخضر”

في المقابل، عاشت أجهزة أمن الاحتلال حالة من الرعب والتخبط؛ حيث نُشر أكثر من 3000 جندي في محيط البلدة القديمة، وحُولت القدس إلى ثكنة عسكرية مغلقة. الاحتلال الذي حاول طوال شهر رمضان تقليل أعداد المصلين عبر سياسة “التصاريح والملاحقة”، وجد نفسه عاجزاً أمام “الطوفان البشري” الذي تدفق للجمعة اليتيمة. مراقبون يرون أن نجاح 250 ألفاً في الوصول هو “هزيمة استخباراتية” لوزير الأمن القومي المتطرف إيتمار بن غفير، الذي حاول مراراً تقييد الوصول للمسجد، لكن “نبض الأقصى” كان أقوى من قراراته العنصرية.

“الأقصى يكتب التاريخ”

أثبتت الجمعة الأخيرة من رمضان 2026 أن المسجد الأقصى لا يزال هو المحرك الرئيسي للشارع الفلسطيني والعربي. إن مشهد الزحف والرباط هو الرد العملي على مشاريع “التطبيع” و”التهويد” و”التقسيم الزماني والمكاني”. الأقصى اليوم لم يصلّ فيه المؤمنون فحسب، بل “نبض بالحياة” من جديد، ليرسل رسالة للعالم بأن غزة ليست وحدها، وأن القدس هي حارس الحلم الفلسطيني، والقلب الذي لا يتوقف عن النبض مهما اشتد الحصار أو تآمر المتآمرون.