رجل الأعمال البريطاني ألبرت دوغلاس (63 عامًا) فتح النار على دبي وحذر بشكل مباشر كل من يفكر في الانتقال إليها بحثًا عن حياة أفضل، بعد أن تحولت تجربته الشخصية هناك من قصة نجاح لافتة إلى واحدة من أقسى التجارب التي يمكن أن يمر بها إنسان. هذا الرجل الذي كان يعيش حياة فاخرة، يقود سيارة رولز رويس، ويمتلك منزلًا بملايين الجنيهات في واحدة من أشهر مناطق دبي، انتهى به المطاف إلى السجن لسنوات طويلة، حيث يؤكد أنه تعرض للتعذيب وسوء المعاملة، قبل أن يعود إلى بريطانيا منهكًا نفسيًا وجسديًا، حاملاً آثار تلك التجربة معه حتى اليوم.

عندما عاد ألبرت دوغلاس إلى مطار هيثرو في لندن بعد سنوات من الاحتجاز، كان أول ما فعله هو تقبيل أرض المطار، في مشهد يعكس حجم الصدمة التي عاشها. لم يكن ذلك مجرد فعل رمزي، بل تعبير عن شعور عميق بالنجاة بعد تجربة وصفها بالجحيم. وعندما رفع رأسه، وجد حفيدته البالغة من العمر 11 عامًا في استقباله، فانهمرت دموعه في لحظة امتزج فيها الألم بالارتياح. وحتى بعد خروجه، ظل يحمل آثار تلك التجربة، ليس فقط في جسده الذي أصبح نحيلًا وضعيفًا بعد أن فقد جزءًا كبيرًا من وزنه، بل أيضًا في ذاكرته ونفسيته، حيث يعاني من كوابيس متكررة توقظه من النوم كل ليلة، وهو مغطى بالعرق، وكأنه ما زال يعيش داخل السجن.

يقول ألبرت إن الإصابات التي يعاني منها اليوم ليست نتيجة طبيعية لمرض أو حادث عابر، بل هي نتيجة مباشرة لما تعرض له داخل السجن. يشير إلى كسر في الكتف لم يُعالج بشكل صحيح، وثلاثة أصابع مكسورة، وإصابة في الظهر، إضافة إلى نوبات فقدان الوعي التي بدأت تلازمه بعد خروجه. هذه الإصابات، بحسب روايته، تعود إلى تعرضه للضرب والتعذيب خلال فترة احتجازه، وهي جزء من تجربة أوسع وصفها بأنها قاسية وغير إنسانية.

تعود بداية القصة إلى أواخر التسعينيات، حين انتقل ألبرت دوغلاس إلى دبي مستفيدًا من الطفرة العقارية الكبيرة التي كانت تشهدها المدينة آنذاك. تمكن خلال فترة قصيرة من بناء مشروع تجاري ناجح في مجال الأرضيات الخشبية، وازدهرت أعماله بشكل كبير، حتى أصبح يشارك في مشاريع ضخمة مثل برج خليفة وشاطئ لا مير ومنطقة سيتي ووك. ومع هذا النجاح، انتقل للعيش في جزيرة نخلة جميرا، إحدى أكثر المناطق فخامة في دبي، حيث امتلك منزلًا تقدر قيمته بنحو ستة ملايين جنيه إسترليني، وكان يعيش حياة يُنظر إليها على أنها نموذج للنجاح في المدينة.

لم تقتصر حياته على النجاح التجاري فقط، بل كان أيضًا جزءًا من دوائر اجتماعية تضم نخبة المجتمع، حيث تلقى دعوات لحضور مناسبات حصرية، وكان على صلة بدوائر قريبة من العائلة الحاكمة. في إحدى المرات، قيل إن حاكم دبي، الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، أهداه شبل نمر أليفًا، في إشارة إلى مستوى القرب الاجتماعي الذي كان يتمتع به في تلك الفترة. كل ذلك رسم صورة مثالية عن الحياة في دبي، قبل أن تبدأ هذه الصورة في التصدع تدريجيًا.

بدأت المشاكل عندما واجه ابنه وولفغانغ صعوبات مالية في تحصيل مستحقاته من مشاريع مرتبطة بجهات حكومية، ما أدى إلى تعثره في سداد ديونه. في عام 2019، اضطر الابن إلى مغادرة دبي لفترة قصيرة لتلقي علاج طبي في بريطانيا، وخلال غيابه بدأت السلطات في دبي بمصادرة بضائع شركته دون إجراءات واضحة. لاحقًا، قرر ألبرت العودة إلى دبي لمتابعة أعماله، رغم التحذيرات، وهو القرار الذي غيّر مسار حياته بالكامل.

عند وصوله إلى مطار دبي، تم اعتقاله فورًا، ووجهت إليه اتهامات تتعلق بديون مرتبطة بشركة ابنه، رغم أنه لم يكن طرفًا مباشرًا في إدارتها، سوى وجود اسمه في بعض الوثائق القانونية. تم مطالبته بدفع غرامة مالية ضخمة تصل إلى 2.5 مليون جنيه إسترليني، وحُكم عليه بالسجن. لاحقًا، قدمت السلطات شيكًا مرتجعًا زُعم أنه وقّعه، وهو ما نفاه بشكل قاطع، مؤكدًا أن تقريرًا جنائيًا أثبت عدم صحة التوقيع، إلا أن المحكمة لم تأخذ هذا الدليل بعين الاعتبار.

لم تتوقف المعاناة عند حدود الحكم القضائي، بل بدأت مرحلة أخرى داخل السجن، يصفها ألبرت بأنها الأسوأ في حياته. بعد محاولة فاشلة للهروب عبر الحدود إلى سلطنة عمان، تم القبض عليه من قبل قوات إماراتية، ووفقًا لروايته، تعرض بعد ذلك مباشرة لسلسلة من الانتهاكات، حيث تم تجريده من ملابسه، وتغطية رأسه، واحتجازه في سجن العين، حيث يقول إنه تعرض للضرب حتى فقد وعيه. وتشير عائلته إلى أن هذه الحادثة كانت بداية تدهور حالته الصحية، حيث أصيب لاحقًا بسكتات دماغية وظهرت عليه أعراض مرض ألزهايمر.

ينتقل ألبرت في روايته لوصف ظروف الاحتجاز داخل السجون المختلفة التي نُقل بينها، مثل مركز شرطة بر دبي وسجن البرشاء وسجن العوير المركزي. يؤكد أنه تعرض للحرمان من الطعام والماء والعلاج الطبي، وأنه شهد حوادث اغتصاب وانتحار داخل السجن. يصف أحد السجون بأنه مكتظ بشكل غير طبيعي، حيث كان السجناء ينامون في الممرات والحمامات، وكان من الصعب التحرك داخل الزنازين بسبب الازدحام. كما يشير إلى انعدام النظافة، حيث انتشرت الأمراض الجلدية مثل الجرب بين السجناء.

وفي إحدى الحوادث، تعرض لهجوم من سجين آخر حاول خنقه بسلك وضربه بعصا، ولم ينجُ إلا بتدخل سجين آخر. كما يروي أنه كان يُحتجز لمدة تصل إلى 24 ساعة يوميًا داخل الزنزانة، دون أي أنشطة أو مرافق حقيقية، وأن الطعام كان سيئًا لدرجة لا تُحتمل، وغالبًا ما كان ملوثًا بالحشرات. في ظل هذه الظروف، يقول إنه اضطر إلى “تعطيل نفسه نفسيًا” عبر النوم المستمر كوسيلة للبقاء.

رغم أن مدة الحكم الأصلية كانت عامين فقط، وتم تخفيضها إلى 18 شهرًا، إلا أن ألبرت بقي في السجن حتى عام 2025، أي ما يقارب خمس سنوات. خلال هذه الفترة، تدخلت مجموعة العمل التابعة للأمم المتحدة المعنية بالاحتجاز التعسفي، وبعد تحقيق استمر أربع سنوات، خلصت إلى أن احتجازه كان تعسفيًا ولا يستند إلى أي أساس قانوني وفقًا للقانون الدولي. ومع ذلك، لم يتم الإفراج عنه فورًا، بل استمر احتجازه، ثم فُرض عليه حظر سفر حتى تم ترحيله لاحقًا إلى بريطانيا.

بعد خروجه، وجه ألبرت انتقادات حادة للحكومة البريطانية، مؤكدًا أنها لم تقدم له الدعم الكافي، وأنها فضّلت الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع الإمارات على حساب حقوقه كمواطن. كما أشار ابنه وولفغانغ إلى أنه أنفق نحو أربعة ملايين جنيه إسترليني في محاولة لإنقاذ والده، عبر حملات ضغط قانونية وسياسية، والتواصل مع الأمم المتحدة، لكنه واجه صعوبات كبيرة.

في النهاية، يؤكد ألبرت أن تجربته ليست حالة فردية، بل جزء من نمط أوسع، حيث يمكن استخدام القوانين في دبي ضد الأجانب، خاصة في قضايا الديون، التي قد تؤدي إلى السجن الفوري، حتى في حالات يُنظر إليها في دول أخرى على أنها نزاعات مدنية. ويحذر من أن النجاح في هذه البيئة قد يجعل المستثمرين أهدافًا، وأن المخاطر لا تقتصر على الخسائر المالية، بل قد تمتد إلى فقدان الحرية، وربما الحياة نفسها.