مع اقتراب الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب في السودان، تتكثف التحذيرات الدولية من تفاقم واحدة من أعقد الأزمات الإنسانية في العالم، في وقت تصف فيه الأمم المتحدة الوضع بأنه “أزمة مُهمَلة” رغم حجم الكارثة. وبينما تتزايد الاتهامات والجدل حول أدوار إقليمية محتملة في الصراع، يبقى المدنيون هم الضحية الأكبر في مشهد يتسم بالعنف المتكرر والانهيار شبه الكامل لمقومات الحياة.

دوّامة عنف بلا نهاية واضحة
تصريحات المنسقة الأممية للشؤون الإنسانية في السودان تعكس حالة الإحباط الدولي من استمرار النزاع دون أفق للحل. فالوصف الأممي للسودان بأنه “عالق في دوّامة فظاعات” ليس مجرد توصيف بلاغي، بل يعكس واقعًا يوميًا يتكرر فيه القتل والنزوح والعنف الجنسي بشكل منهجي. هذه الدوّامة تشير إلى غياب أي اختراق سياسي أو عسكري حاسم، ما يجعل الأزمة مرشحة لمزيد من التعقيد.
الهجمات الأخيرة على مدينة الفاشر، وما تلاها من سقوط آلاف الضحايا خلال أيام قليلة، تعكس طبيعة الحرب التي باتت تستهدف مراكز سكانية كبرى. ومع غياب إحصاءات دقيقة للقتلى والمفقودين، تتعزز صورة الصراع كحرب غير موثقة بالكامل، وهو ما يزيد من صعوبة المساءلة الدولية.
أزمة إنسانية تتجاوز حدود الاستيعاب
الأرقام التي توردها المنظمات الدولية مرعبة بكل المقاييس: أكثر من 20 ألف قتيل، وأكثر من 10 ملايين نازح ولاجئ. لكن الأشد خطورة هو ما لا يُقاس بالأرقام فقط، مثل الانهيار الغذائي. تقارير حديثة تشير إلى أن ملايين السودانيين يعيشون على وجبة واحدة يوميًا، فيما يضطر آخرون للبقاء أيامًا دون طعام.
في مناطق مثل شمال دارفور وجنوب كردفان، باتت المجاعة واقعًا يوميًا، حيث يلجأ السكان إلى وسائل بدائية للبقاء، مثل أكل أوراق الأشجار أو أعلاف الحيوانات. هذه المؤشرات تضع السودان على حافة كارثة غذائية واسعة النطاق قد تمتد آثارها لسنوات.
تعثر المساعدات وتراجع التمويل الدولي
رغم خطورة الوضع، فإن الاستجابة الدولية تبدو محدودة بشكل لافت. نداء الأمم المتحدة لجمع 2.9 مليار دولار لم يُلبَّ سوى بنسبة 16%، ما يعكس تراجع الاهتمام العالمي بالأزمة مقارنة بصراعات أخرى. هذا النقص في التمويل ينعكس مباشرة على قدرة المنظمات الإنسانية في إيصال المساعدات، خاصة في مناطق تشهد هجمات يومية مثل مدينة الدلنج.
إضافة إلى ذلك، فإن القيود الأمنية تعيق وصول القوافل الإنسانية، ما يجعل ملايين المدنيين خارج نطاق الدعم الدولي. هذا الواقع يعزز توصيف الأزمة بأنها “مُهمَلة” وليس فقط “منسية”، أي أن العالم على علم بها لكنه لا يتحرك بالقدر الكافي.
جدل الأدوار الإقليمية وتأثيرها على الصراع
في خضم هذا المشهد، تتصاعد الاتهامات بشأن أدوار بعض القوى الإقليمية في تغذية الصراع. ومن بين هذه الاتهامات ما يوجَّه إلى دولة الإمارات بدعم أطراف مسلحة، وهي ادعاءات تداولتها تقارير إعلامية ومواقف سياسية مختلفة، لكنها تبقى محل جدل ولم تُحسم بشكل قاطع على المستوى الدولي.
هذا الجدل يعكس تعقيد الصراع السوداني، الذي لم يعد شأنًا داخليًا بحتًا، بل أصبح ساحة لتقاطعات إقليمية ودولية. مثل هذه الاتهامات، سواء ثبتت أو لم تثبت، تسلط الضوء على أهمية الشفافية والتحقيق الدولي لضمان عدم إطالة أمد الحرب عبر دعم خارجي.
لماذا لم يتحرك العالم؟
السؤال الذي طرحته الأمم المتحدة — “لماذا لم ينتفض العالم؟” — يفتح بابًا واسعًا للتحليل. هناك عدة عوامل تفسر هذا التراخي، منها تشعب الصراع، وغياب تغطية إعلامية كافية مقارنة بأزمات أخرى، إضافة إلى الإرهاق الدولي من تعدد النزاعات العالمية.
كما أن تعقيد الأطراف المتحاربة، وغياب قيادة سياسية موحدة يمكن التفاوض معها، يجعل من الصعب على المجتمع الدولي التدخل بفعالية. هذا الفراغ السياسي يترك المجال مفتوحًا لاستمرار الحرب دون ضغوط حقيقية لوقفها.
الحاجة إلى تحرك عاجل ومتعدد المسارات
الوضع في السودان يتطلب تحركًا عاجلًا على عدة مستويات: إنساني، لتأمين الغذاء والمساعدات الأساسية؛ وسياسي، لدفع الأطراف نحو تسوية؛ وقانوني، للتحقيق في الانتهاكات ومحاسبة المسؤولين عنها.
بدون هذا التحرك، ستبقى البلاد عالقة في نفس الدوّامة التي وصفتها الأمم المتحدة، وسيستمر المدنيون في دفع الثمن الأكبر. ومع دخول الحرب عامها الرابع، لم يعد السؤال فقط عن أسباب استمرارها، بل عن مدى استعداد العالم لتحمل مسؤولياته تجاه واحدة من أخطر الأزمات الإنسانية في العصر الحديث.
اقرأ أيضًا : “لبنان جبهة قتالنا الأساسية”.. جيش الاحتلال يقر بالهزيمة الاستراتيجية في الشمال: الجنرالات يعترفون بصمود حزب الله