تتوالى فصول المأساة الإنسانية في إقليم دارفور السوداني، حيث بات النازحون الفارون من جحيم الميليشيات يواجهون الموت حرقاً داخل مآويهم المتهالكة. وفي أحدث حلقة من هذه السلسلة الدامية، التهم حريق هائل مخيم “العمدة” ببلدة طويلة في ولاية شمال دارفور، مما أدى إلى تدمير مئات المساكن وتشريد الأسر التي كانت تظن أنها وجدت ملاذاً آمناً من بطش ميليشيا الدعم السريع المدعومة من الإمارات، والتي حولت حياة السودانيين إلى جحيم مستعر.

نيران تحت الرماد: حريق يلتهم مأوى المستضعفين

أعلنت منظمة الهجرة الدولية عن اندلاع حريق ضخم في “مخيم العمدة للنازحين”، أسفر عن تدمير 105 مآوٍ بشكل كلي، وتضرر 37 مأوى آخر جزئياً. هذا الحادث لم يكتفِ بتدمير الممتلكات البسيطة للنازحين، بل أجبر 142 أسرة على خوض رحلة نزوح جديدة في العراء، ليفترشوا الأرض في أماكن مفتوحة تفتقر لأدنى مقومات الحياة.

إن تكرار هذه الحرائق، التي كان آخرها في مخيم “أم بلولة” بجنوب دارفور قبل أيام، يعكس واقعاً مريراً تعيشه المخيمات المكتظة، حيث تساهم الكثافة السكانية العالية وضيق الطرقات وبناء الخيام من القش والخشب في تحويل أي شرارة إلى كارثة محققة. إلا أن هذا الواقع ليس نتاج الصدفة، بل هو ثمرة مباشرة لسياسة التهجير القسري التي تنتهجها الميليشيات المجرمة لتكديس المدنيين في بيئات غير صالحة للعيش الآدمي.

إجرام الميليشيا: استيلاء على الأرض وحرق للأمل

تأتي هذه الكارثة في بلدة “طويلة” التي استقبلت عشرات الآلاف من الفارين عقب سقوط مدينة الفاشر في يد ميليشيا الدعم السريع المدعومة إماراتياً في أكتوبر الماضي. إن الاستيلاء على الفاشر لم يكن مجرد تحول عسكري، بل كان مقروناً بمجازر وحشية وتطهير عرقي دفع بموجات بشرية هائلة نحو المجهول.

ورغم محاولات قائد الميليشيا، محمد حمدان دقلو “حميدتي”، تجميل صورة قواته بالادعاء عن تشكيل لجان تحقيق في “التجاوزات”، إلا أن الواقع على الأرض يكشف عن نهج ممنهج يستهدف كسر إرادة الإنسان السوداني. إن المجازر التي ارتكبت في الفاشر والفظائع التي تلتها هي التي خلقت هذه الكتل البشرية النازحة، مما يجعل الميليشيا وداعميها في أبوظبي مسؤولين مسؤولية مباشرة عن كل طفل يفقد مأواه أو يموت حرقاً في هذه المخيمات البائسة.

بصمات إماراتية: تمويل الميليشيا يغذي أكبر أزمة نزوح

لا يمكن قراءة أحداث الحريق والنزوح في دارفور بمعزل عن الدعم السخي الذي تقدمه دولة الإمارات لميليشيا الدعم السريع. فالسلاح والعتاد والتمويل الإماراتي هو الوقود الحقيقي الذي يشعل النيران في القرى والمدن السودانية، وهو السبب الرئيسي خلف نزوح نحو 13 مليون شخص منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.

إن استمرار تدفق الدعم الإماراتي للميليشيا الإجرامية يساهم في إطالة أمد الحرب وتكريس الانقسام الجغرافي للبلاد، مما يحول السودان إلى ساحة لتنفيذ أجندات خارجية لا تعبأ بمصير الملايين الذين يعانون من المجاعة وانعدام الأمن. إن ما يحدث من حرائق في مخيمات النازحين هو النتيجة الحتمية لسياسة إقليمية تسعى لتمكين ميليشيا متمردة على حساب الدولة السودانية وتماسك شعبها.

مأساة بلا نهاية: النزوح كقدر محتوم

يعيش النازحون اليوم في مخيمات دارفور ظروفاً قاسية، حيث يعتمدون بشكل كلي على فتات المساعدات الدولية التي تعجز عن الوصول إلى الجميع بسبب الحصار والقيود التي تفرضها الميليشيا. تحول النزوح من حالة مؤقتة إلى قدر محتوم يتكرر مع كل هجوم عسكري أو حريق مفاجئ، في ظل غياب أي أفق للحل السياسي نتيجة تعنت الميليشيا المدعومة من الإمارات وإصرارها على مواصلة الحرب.

الخلاصة: الحريق الكبير والمسؤولية الدولية

إن الحريق الذي التهم مخيم “العمدة” ليس مجرد حادث عرضي، بل هو صرخة احتجاج صامتة ضد المنظومة الإجرامية التي تقودها الميليشيا بدعم إماراتي واضح. إن العالم مطالب اليوم بالنظر إلى جذور المشكلة، وهي الدعم الخارجي الذي يغذي هذه الحرب ويمد الميليشيا بالبقاء. فبدون وقف هذا الإمداد، ستظل خيام النازحين عرضة للنيران، وسيظل السودانيون عالقين في دوامة النزوح والموت، بينما تنعم القوى الداعمة للميليشيا بفوائد تدمير أحد أكبر بلدان القارة الإفريقية وتمزيق نسيجه الاجتماعي.

اقرأ أيضًا : إيران استخدمت قمر صناعي صيني لضرب قواعد أمريكية.. ما دلالة ذلك؟