نشرت منظمة The Sentry، وهي جهة دولية متخصصة في تتبع شبكات الفساد وتمويل النزاعات، تحقيقًا جديدًا حول شبكة ممتلكات عقارية في دبي مرتبطة بقيادة ميليشيا الدعم السريع السودانية، كاشفًا عن ارتباطات مالية وعائلية معقدة تمتد داخل السوق العقاري الإماراتي.
ويستند هذا التحقيق إلى تحليل موسّع لبيانات مسربة وسجلات ملكية عقارية، إلى جانب مراجعة عقود وفواتير رسمية، واستخدام بيانات الاتصالات وجوازات السفر لتتبع الروابط بين أفراد عائلة دقلو والكيانات المرتبطة بهم.
كما اعتمد التحقيق على تقاطع مصادر متعددة بالتعاون مع جهات بحثية وصحفية متخصصة، من بينها مركز الدراسات الدفاعية المتقدمة (C4ADS) ومشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد (OCCRP)، ما أتاح بناء صورة دقيقة لشبكة ممتدة من العلاقات المالية التي تربط بين قيادات الميليشيا والبيئة الاستثمارية في دبي.
تكشف الوثائق المسربة وسجلات الملكية العقارية في دبي عن صورة أكثر خطورة مما تحاول دولة الإمارات إخفاءه، حيث لم تعد المسألة مجرد شبهات أو اتهامات متفرقة، بل شبكة متكاملة من العلاقات المالية والعائلية التي تربط قيادة ميليشيا الدعم السريع السودانية، المتورطة في انتهاكات جسيمة، بمنظومة اقتصادية تعمل بحرية داخل الأراضي الإماراتية. ما يظهر هنا ليس مجرد استثمار عقاري، بل نظام حماية متكامل يوفر ملاذًا آمنًا للأموال والأفراد المرتبطين بواحدة من أكثر الميليشيات دموية في المنطقة.
التحقيق يكشف أن عائلة قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي)، إلى جانب أفراد خاضعين للعقوبات وشركات مرتبطة بهم، يمتلكون محفظة عقارية في دبي تتجاوز قيمتها 24 مليون دولار، موزعة على أكثر من 20 عقارًا، كثير منها يقع داخل مجمع سكني مغلق واحد، بما يعكس نمطًا واضحًا من التمركز المنظم وليس مجرد استثمارات متفرقة . هذا التركز الجغرافي ليس تفصيلًا عابرًا، بل مؤشر على بيئة مريحة وآمنة تسمح لهؤلاء بالتحرك والإقامة وإدارة أصولهم دون أي قيود حقيقية.
ولا تقف المسألة عند حدود الملكية العقارية، بل تمتد إلى بنية مالية أوسع. شركة “Prodigious” المسجلة في الإمارات، والمملوكة لشخص خاضع للعقوبات الأمريكية بسبب دعمه اللوجستي والعسكري للميليشيا، تمتلك عدة عقارات فاخرة، بينها شقق وفيلات بملايين الدولارات . هذه الشركة ليست كيانًا معزولًا، بل حلقة ضمن شبكة أكبر تربط المال بالسلاح، حيث سبق أن كُشف عن دورها في إدارة ممتلكات مرتبطة بقيادة الدعم السريع.
كما تظهر السجلات أن أفرادًا من عائلة دقلو، بينهم زوجته وأقاربه، اشتروا واستأجروا عقارات فاخرة بملايين الدولارات في مواقع راقية داخل دبي، بما في ذلك مشاريع قيد الإنشاء قرب مناطق استثمارية عالية القيمة، ما يؤكد أن تدفق الأموال لم يتأثر بالعقوبات الدولية المفروضة عليهم . والأخطر أن بعض هذه العقارات يقع على مقربة مباشرة من بعضها، في بيئة مغلقة تعزز فكرة وجود “مجتمع خاص” محمي داخل الدولة.
التحقيق يربط أيضًا بين هذه الشبكة وشخصيات خاضعة للعقوبات الدولية، من بينها مستشارون ماليون وسياسيون لعبوا أدوارًا مباشرة في دعم عمليات الميليشيا، ويمتلكون بدورهم عقارات بملايين الدولارات في دبي، من بينها شقق في برج خليفة وأصول عقارية تتجاوز قيمتها 13 مليون دولار . هذا التداخل بين السياسي والعسكري والمالي داخل السوق العقاري الإماراتي يكشف بوضوح أن دبي ليست مجرد وجهة استثمار، بل منصة لإعادة تدوير الأموال المرتبطة بالصراع.
ورغم كل هذه المعطيات، تستمر الإمارات في نفي أي دعم لميليشيا الدعم السريع، في موقف يبدو منفصلًا تمامًا عن الوقائع المتراكمة. فهذه ليست المرة الأولى التي تكشف فيها التحقيقات عن هذه العلاقات، بل هي الحلقة الرابعة ضمن سلسلة تقارير توثق وجود شركات واجهة تعمل من دبي، وشبكات تمويل، وحتى تورط رجال أعمال إماراتيين في جلب مرتزقة أجانب لتدريب الميليشيا . كما أشارت تحقيقات أخرى إلى تدفق السلاح والطائرات المسيرة من الإمارات إلى الدعم السريع، مقابل تدفق الذهب المهرب في الاتجاه المعاكس، في علاقة تبادل واضحة المصالح.
الأخطر في هذا الملف ليس فقط وجود هذه الأصول، بل البيئة التي سمحت بوجودها واستمرارها. فالتقرير يسلط الضوء على فشل واضح في تطبيق قوانين مكافحة غسل الأموال داخل السوق العقاري في دبي، حيث لم يتم التدقيق في أصول شخصيات مصنفة كـ“شخصيات ذات نفوذ سياسي”، ولم تُتخذ إجراءات حقيقية ضد متهمين بجرائم خطيرة، رغم خروج الإمارات من “القائمة الرمادية” لمجموعة العمل المالي في 2024. هذا الفشل لا يمكن تفسيره بالإهمال فقط، بل يعكس خللًا هيكليًا يخدم تدفق هذه الأموال.
بعبارة أوضح، ما تكشفه هذه الوثائق هو أن الإمارات لا تمثل مجرد بيئة رخوة تُستغل، بل طرفًا مستفيدًا من استمرار هذه الشبكات. فحين تُفتح الأسواق أمام أموال مرتبطة بالنزاعات، وتُترك دون تدقيق أو مساءلة، فإن ذلك لا يعد حيادًا، بل مشاركة غير مباشرة في تمويل واستدامة العنف.
وفي ضوء هذه المعطيات، يصبح الحديث عن “ملاذ آمن” توصيفًا دقيقًا لما يحدث في دبي: ملاذ للأموال، وملاذ للأفراد، وملاذ لشبكات كاملة ترتبط بصراعات دامية، بينما تستمر السلطات في تقديم رواية رسمية تتناقض بشكل صارخ مع الوقائع الموثقة.
وفي ضوء ما كشفه التحقيق، لا يمكن الاكتفاء بعرض الوقائع دون الإشارة إلى الخطوات المطلوبة لكسر هذه الشبكة، فالتقرير يوصي أولًا بضرورة توسيع نطاق العقوبات ليشمل بشكل صريح شركة Prodigious Real Estate Management Supervision Services، المدرجة فعليًا بشكل غير مباشر ضمن العقوبات الأمريكية بحكم ملكيتها، مع ضرورة إدراجها رسميًا على قوائم الكيانات المحظورة لضمان وضوح الإجراءات وفعاليتها. كما يدعو السلطات في الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة وغيرها من الدول إلى فتح تحقيقات مماثلة وفرض عقوبات على الشركة ومالكها إذا ثبت تورطهما في دعم شبكات مرتبطة بميليشيا الدعم السريع .
كما يشدد التقرير على ضرورة فرض تدقيق مالي مشدد (Enhanced Due Diligence) من قبل المؤسسات المالية وشركات العقارات والمكاتب القانونية، خاصة داخل الإمارات، على أي معاملات أو عملاء قد يكون لهم صلة بعائلة دقلو أو بالشركات المرتبطة بها أو بالأفراد الخاضعين للعقوبات بسبب أنشطتهم المرتبطة بالدعم السريع. ويتضمن ذلك تتبع أي تحويلات مالية مرتبطة بشركة Prodigious، خصوصًا في ظل احتمال تعارضها مع العقوبات الأمريكية المفروضة على حميدتي منذ عام 2025.
وفي مستوى أكثر حساسية، يدعو التحقيق إلى فتح تحقيقات جنائية شاملة في جميع الصفقات العقارية المرتبطة بهذه الشبكة داخل الإمارات، بما يشمل الممتلكات التي تم شراؤها أو إدارتها من قبل شركة Prodigious، أو أفراد عائلة دقلو، أو أي شخصيات أخرى خاضعة للعقوبات أو مصنفة كشخصيات ذات نفوذ سياسي. الهدف هنا ليس فقط توثيق الملكية، بل تتبع مصدر الأموال المستخدمة في هذه الصفقات، وهو ما يمثل جوهر أي جهد حقيقي لمكافحة غسل الأموال.
أما على المستوى الدولي، فيطالب التقرير مجموعة العمل المالي (FATF) بإعادة التركيز على قطاع العقارات في تقييمها المرتقب للإمارات عام 2026، مع التحذير الواضح من أنه في حال استمرار هذا القصور في تطبيق معايير مكافحة غسل الأموال وتمويل النزاعات، فإن إعادة إدراج الإمارات على “القائمة الرمادية” يجب أن تكون خيارًا مطروحًا بشكل جدي.
هذه التوصيات، في مجملها، لا تعكس فقط الحاجة إلى إصلاحات تقنية، بل تكشف حجم الخلل القائم، حيث لم يعد الأمر متعلقًا بثغرات يمكن سدها، بل بمنظومة كاملة سمحت لهذه الشبكات بالعمل بحرية، وهو ما يفرض ضغطًا دوليًا حقيقيًا إذا كان هناك أي جدية في وقف تدفق الأموال المرتبطة بالصراعات عبر هذا المسار.