في وقت سابق من هذا الأسبوع أعلنت الإمارات انسحابها من منظمة أوبك، في خطوة مفاجئة تزامنت مع انعقاد قمة إقليمية في جدة لمناقشة الحرب على إيران، لتضع القرار في قلب المشهد السياسي والاقتصادي في الخليج. وجاء الإعلان في توقيت حساس، بينما كانت السعودية تستضيف القمة بصفتها القائد الفعلي للمنظمة، ما أعاد الخلافات بين البلدين إلى الواجهة.
ويأتي هذا القرار في سياق سياسات إماراتية تتسم بالتحرك الأحادي وتغليب المصالح الاقتصادية الخاصة على حساب أي تنسيق إقليمي، حيث اختارت أبوظبي كسر الإطار المشترك داخل أوبك، في خطوة تعكس نمطًا متكررًا من السلوك الذي يتجاوز التفاهمات الجماعية لصالح أجندة مستقلة، خصوصًا في ملفات الطاقة والتحالفات الإقليمية.
وفي هذا السياق، يكشف تقرير نشرته صحيفة فاينانشال تايمز أن الانسحاب لم يكن حدثًا معزولًا، بل امتدادًا لتوترات قائمة بين الإمارات والسعودية، شملت خلافات حول حصص الإنتاج النفطي، والتنافس الاقتصادي، وتباين المواقف في عدد من الملفات الإقليمية، من بينها اليمن والسودان.
أعاد قرار الإمارات الانسحاب من منظمة أوبك فتح الخلافات مع السعودية، بعد فترة قصيرة من إظهار الطرفين جبهة موحدة خلال الحرب على إيران، في خطوة كشفت مجددًا عمق التنافس بين أكبر قوتين في الخليج.
فخلال قمة إقليمية عُقدت بشكل عاجل في جدة لمناقشة الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، أعلنت الإمارات بشكل مفاجئ خروجها من أوبك، في توقيت تزامن مع استضافة السعودية للقمة، ما اعتُبر ضربة مباشرة للرياض بصفتها القائد الفعلي للمنظمة.
وبررت الإمارات القرار باعتبارات تتعلق بسياسات الطاقة، لا السياسة، مشيرة إلى استيائها المستمر من حصص الإنتاج التي حدّت من قدرتها على زيادة صادرات النفط. إلا أن هذه الخطوة جاءت في سياق توتر ممتد بين البلدين، شمل خلافات حول سياسات النفط، والتنافس الاقتصادي، ودعم أطراف متعارضة في كل من اليمن والسودان.
الحرب على إيران، التي بدأت في 28 فبراير بهجوم أميركي-إسرائيلي، أظهرت في البداية تماسكًا عربيًا نسبيًا، حيث سعت الدول الخليجية إلى التركيز على الدفاع ضد الرد الإيراني، رغم أنها كانت قد حذّرت واشنطن مسبقًا من إشعال الحرب. لكن مع استمرار التصعيد، بدأت الانقسامات بالظهور، خصوصًا مع انتقاد الإمارات لما وصفته بضعف موقف حلفائها العرب والمسلمين.
وفي مؤتمر عُقد في دبي، وجّه أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، انتقادات مباشرة لمجلس التعاون الخليجي، معتبرًا أن مواقفه كانت ضعيفة، ومقارنًا ذلك بموقف جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي.
تعرضت الإمارات خلال الحرب لهجمات إيرانية مكثفة، حيث أطلقت طهران أكثر من 2500 صاروخ وطائرة مسيرة باتجاهها، ورغم اعتراض معظمها، إلا أن هذا التصعيد أثّر على صورة الدولة كملاذ آمن، وهي إحدى الركائز الأساسية لنموها الاقتصادي.
وفي سياق سياستها الخارجية، حافظت الإمارات على نهج أكثر اندفاعًا مقارنة بجيرانها، حيث طبّعت علاقاتها مع إسرائيل عبر اتفاقيات أبراهام في عام 2020، واستمرت في هذا المسار رغم تصاعد الغضب العربي والإسلامي بسبب الحرب في غزة. وكانت البحرين الدولة الخليجية الوحيدة الأخرى التي انضمت إلى هذه الاتفاقيات.
ورغم تقاطع الغضب السعودي والإماراتي من إيران، اتخذت الرياض مسارًا مختلفًا، حيث نسّقت مع باكستان وتركيا ومصر لمحاولة إنهاء النزاع، في وقت تنظر فيه أبوظبي إلى هذه الدول بقدر من التوتر، خاصة مع تقاربها مع السعودية.
وترى بعض التحليلات أن هذا التنسيق يعكس تقاربًا متزايدًا بين هذه الدول، رغم نفي وجود تحالف رسمي، في حين وقّعت السعودية وباكستان اتفاقية دفاع مشترك في ديسمبر الماضي.
كما تختلف مواقف البلدين تجاه إسرائيل، إذ تعتبرها الإمارات شريكًا استراتيجيًا يتزايد أهميته، بينما تنظر السعودية إلى إسرائيل كعامل قد يهدد استقرار المنطقة، وتسعى إلى إطار إقليمي يوازن بين احتواء إيران وإدارة علاقتها معها.
في هذا السياق، يرى محللون أن الإمارات تميل إلى تعزيز تحالفها مع الولايات المتحدة وإسرائيل، في حين تتبنى السعودية مقاربة أكثر توازنًا، تشمل الحفاظ على قنوات اتصال مع طهران.
وتشير هذه التطورات إلى تعمق التنافس بين البلدين، والذي لا يقتصر على ساحات مثل اليمن والسودان والقرن الأفريقي، بل يمتد إلى اختلافات جوهرية في كيفية إدارة ملفات إيران وإسرائيل.
كما برزت توترات إضافية عندما طلبت أبوظبي من باكستان سداد قرض بقيمة 3.5 مليار دولار، في ظل استيائها من دور إسلام آباد كوسيط في الحرب، وتقاربها مع الرياض.
وكانت الخلافات بين البلدين قد ظهرت بوضوح قبل الحرب، خاصة فيما يتعلق بحصص الإنتاج في أوبك، وتباين السياسات الإقليمية، حيث دعمت كل منهما أطرافًا متنافسة في النزاعات.
وفي اليمن، تفجّر التوتر بعد هجوم نفذته قوات مدعومة من الإمارات ضد قوات مرتبطة بالسعودية، ما دفع الرياض لاتهام أبوظبي بتهديد أمنها القومي.
ويؤكد مراقبون أن هذا التنافس يعكس اختلافًا عميقًا في الرؤى، حيث تتبنى الإمارات نهجًا أكثر تصعيدًا تجاه إيران، في حين تحافظ السعودية على قنوات تواصل معها، كما تعزز أبوظبي شراكتها مع إسرائيل، بينما تسعى الرياض إلى موازنة نفوذها.
وفي تطور لافت، أشار أحد الأكاديميين الإماراتيين إلى إمكانية أن تتخذ الإمارات خطوات إضافية بعد انسحابها من أوبك، مثل تجميد عضويتها في جامعة الدول العربية أو مجلس التعاون الخليجي.
ويأتي ذلك في وقت يواجه فيه مجلس التعاون الخليجي، الذي تأسس قبل 45 عامًا لمواجهة التهديد الإيراني، تحديًا كبيرًا يتمثل في تصاعد الخلاف بين أكبر دولتين فيه.
وفي المحصلة، يرى محللون أن الحرب على إيران، رغم ما حققته أطرافها من مكاسب جزئية، أظهرت أن الخاسر الاستراتيجي الأكبر هو دول الخليج، التي لم تكن ترغب في خوض هذا الصراع من الأساس.