لم يعد الخلاف بين الإمارات والسعودية مجرد تباين عابر في المواقف السياسية أو اختلاف محدود داخل أروقة الخليج، بل تحوّل إلى صراع نفوذ مكشوف يكشف حجم التفكك الذي يضرب التحالفات الخليجية التقليدية، ويعرّي الدور التخريبي الذي تمارسه أبوظبي في المنطقة. قرار الإمارات الانسحاب من منظمة أوبك لم يكن مجرد خطوة اقتصادية مرتبطة بأسواق الطاقة، بل إعلانًا سياسيًا صريحًا بأن أبوظبي قررت التمرد على أي مظلة جماعية أو قيادة إقليمية، حتى لو كانت السعودية نفسها.

في الوقت الذي كانت فيه السعودية تستضيف قمة لقادة الخليج يوم الثلاثاء، كان المعلقون والإعلاميون الإماراتيون يلمحون بشكل هستيري عبر الإنترنت إلى “حدث ضخم” قادم. وخلال الأسابيع السابقة، كان المسؤولون الإماراتيون يهاجمون بشكل غير مباشر المواقف الخليجية مما جرى مع إيران، معبرين عن غضبهم مما وصفوه بضعف ردود الفعل العربية تجاه الهجمات الإيرانية التي استهدفت دول الخليج بآلاف الصواريخ والطائرات المسيّرة عقب القصف الأمريكي والإسرائيلي.

لكن المفاجأة جاءت بينما كان محمد بن سلمان يفتتح القمة، حيث أعلنت الإمارات، من على بعد مئات الكيلومترات، انسحابها من منظمة أوبك، في خطوة هزّت أسواق الطاقة وأشعلت التساؤلات حول مستقبل العلاقات الخليجية. وبرّرت أبوظبي القرار برغبتها في زيادة إنتاجها النفطي بشكل منفرد وتلبية احتياجات السوق على المدى الطويل، إلا أن الرسالة السياسية كانت أوضح من أي تبرير اقتصادي: الإمارات لم تعد تقبل بالخضوع للهيمنة السعودية داخل أوبك أو خارجها.

القرار كشف تحول الإمارات إلى دولة تتصرف بمنطق المصلحة المجردة، غير عابئة بأي تحالفات أو اعتبارات جماعية، ومستعدة لتفجير التفاهمات الخليجية التقليدية إذا تعارضت مع طموحاتها الاقتصادية والسياسية. الباحثة كريستين ديوان وصفت الخطوة بأنها “إعلان استقلال إماراتي”، مؤكدة أن أبوظبي لم تعد ترى نفسها ملزمة بأي مؤسسة لا تخدم مصالحها المباشرة.

هذا التحول يحمل تداعيات خطيرة على المنطقة والعالم، خصوصًا أن الإمارات، رغم صغر حجمها السكاني، تمتلك أكثر من تريليوني دولار من الثروة السيادية، واستثمرت هذه الأموال لبناء نفوذ يتجاوز حدودها بكثير، مستخدمة المال والتدخلات السياسية والعسكرية لتوسيع حضورها الإقليمي.

ورغم محاولة وزير الطاقة الإماراتي سهيل المزروعي التخفيف من وقع القرار، مدعيًا أن الانسحاب “لا يستهدف أي منتج بعينه”، وأن السعودية والإمارات “أشقاء”، فإن الوقائع على الأرض تكشف تصاعدًا مستمرًا في الخلافات بين الطرفين، وتحول الإمارات إلى لاعب منفلت يسير في مسار مستقل بالكامل.

المقال يؤكد أن الإمارات خلال السنوات الأخيرة لم تعد تخفي أولويتها المطلقة لمصالحها الاقتصادية، وبدأت تتمرد علنًا على حصص أوبك التي كانت تحد من إنتاجها النفطي. وفي الوقت نفسه، عمّقت تحالفها مع إسرائيل، بينما بدأت دول عربية أخرى بالابتعاد عن هذا المسار أو تقليصه.

وفي اليمن، دعمت أبوظبي جماعات مسلحة وتمردات انفصالية أثارت غضب السعودية التي تدعم الحكومة اليمنية، بينما لعبت في السودان دورًا أكثر خطورة عبر دعم قوات الدعم السريع المتهمة بارتكاب جرائم واسعة، رغم الكم الهائل من الأدلة التي تتحدث عن تسليح إماراتي مباشر لهذه القوات، وهو ما حاولت أبوظبي نفيه مرارًا دون أن تتمكن من طمس الوقائع المتراكمة.

العلاقة بين محمد بن سلمان ومحمد بن زايد، التي كانت تُقدَّم لسنوات كتحالف استراتيجي متين، دخلت مرحلة الانفجار التدريجي منذ سنوات. فبعد أن تعاونا في حرب اليمن عام 2015، بدأ كل طرف يسعى لفرض رؤيته الخاصة للمنطقة، حتى تحولت الشراكة إلى منافسة وصدام نفوذ مكتوم انفجر إلى العلن مؤخرًا، وازداد حدة مع الحرب ضد إيران.

الهجمات الإيرانية الأخيرة كشفت هشاشة الخليج وانقسامه، بدل أن توحده. فبينما اتخذت الإمارات خطوات حادة لقطع علاقاتها الاقتصادية والثقافية مع إيران، اختارت السعودية مسارًا مختلفًا عبر دعم جهود دبلوماسية تقودها باكستان لاحتواء التصعيد، وهو ما أبقت أبوظبي نفسها بعيدة عنه نسبيًا.

وفي مؤتمر بدبي، اعترف المسؤول الإماراتي أنور قرقاش بفشل السياسات الخليجية تجاه إيران، قائلاً إن جميع سياسات الاحتواء “فشلت بشكل كارثي”، مضيفًا أن “التضامن الخليجي لم يكن بمستوى التحدي”. وهي تصريحات تعكس حجم التوتر والانهيار الذي يضرب المنظومة الخليجية من الداخل.

كما أظهرت الحرب حدود الحماية الأمريكية لدول الخليج، بعدما عجزت واشنطن عن منع الهجمات الإيرانية رغم عقود من تقديم نفسها كضامن أمني للمنطقة. هذا الواقع دفع كل دولة خليجية لمحاولة رسم مسارها الخاص بشكل منفرد، وسط عجز كامل عن بناء موقف موحد.

الخلاف النفطي ظل أحد أكثر ملفات التوتر وضوحًا بين الإمارات والسعودية. فالإمارات تريد ضخ أكبر كمية ممكنة من النفط وبيعها سريعًا قبل أن تتراجع أهمية الوقود الأحفوري عالميًا، بينما تحتاج السعودية إلى أسعار مرتفعة لتمويل مشاريع محمد بن سلمان الضخمة والمكلفة وتحويل المملكة إلى مركز اقتصادي وسياحي عالمي.

ومع انسحابها من أوبك، لا تخفي الإمارات رغبتها في التحرر الكامل من أي التزامات جماعية، حتى إن بعض المقربين من السلطة والإعلاميين الإماراتيين بدأوا يتحدثون علنًا عن احتمالات انسحاب أبوظبي مستقبلًا من جامعة الدول العربية أو مجلس التعاون الخليجي أو منظمة التعاون الإسلامي، في مشهد يعكس ذهنية إماراتية قائمة على هدم أي إطار جماعي لم يعد يحقق لها مكاسب مباشرة.

المقال ينقل عن الباحثة كريستين ديوان أن الإمارات بقيت داخل أوبك لسنوات “مجاملة للسعودية”، لكن قرار الانسحاب يثبت أنها لم تعد مستعدة للقبول بالقيادة السعودية أو الخضوع لها سياسيًا أو اقتصاديًا.

وفي ختام المقال، ينقل الكاتب عن الباحث الإماراتي طارق العتيبة حديثه عن “الوعد الفارغ للتضامن العربي”، معتبرًا أن الحرب كشفت “من هم الأصدقاء الحقيقيون”، قبل أن يلمح بشكل متعالٍ إلى أن السؤال لم يعد ما إذا كانت أبوظبي ستتذكر ما جرى، بل “كيف سيبدو العالم العربي عندما تقرر الإمارات المضي قدمًا وحدها”، في تعبير يعكس بوضوح العقلية الإماراتية القائمة على الابتزاز السياسي، والتعامل مع المنطقة باعتبارها ساحة نفوذ ومصالح لا أكثر.