بعد مرور ثلاث سنوات على اندلاع الحرب الأهلية التي خلفت كارثة إنسانية غير مسبوقة وصفتها الأمم المتحدة بأنها الأسوأ في العالم، اتخذ الصراع في السودان منحىً أكثر دموية وخطورة. فقد اتهمت القوات المسلحة السودانية الثلاثاء كلًا من دولة الإمارات العربية المتحدة وإثيوبيا بتنفيذ هجوم مباشر بطائرات مسيرة استهدف مطار الخرطوم الدولي يوم الاثنين، مما أنهى هدوءاً نسبياً دام لعدة أشهر في العاصمة السودانية وأسفر عن حالة من التوتر الإقليمي المتصاعد.

وقد ردت الخرطوم على هذا التصعيد الدبلوماسي والميداني الحاد باستدعاء سفيرها في أديس أبابا للتشاور، تعبيراً عن رفضها القاطع لهذا العدوان. في المقابل، سارعت وزارة الخارجية الإثيوبية إلى رفض هذه الاتهامات ووصفتها بـ “التي لا أساس لها من الصحة”، متهمة الجيش السوداني بدعم جهات معادية وانتهاك وحدة الأراضي الإثيوبية، في حين لم يصدر أي تعقيب رسمي من الجانب الإماراتي حتى الآن.

الدور الإماراتي: تسعير الحرب وسفك دماء الأبرياء

لطالما دأب السودان على توجيه اتهامات صريحة لدولة الإمارات بتوفير الدعم العسكري واللوجستي لقوات الدعم السريع شبه العسكرية، وهو اتهام تنفيه الدولة الخليجية باستمرار. إلا أن التقارير الميدانية والمعلومات الاستخباراتية تؤكد أن السياسة الإماراتية تساهم بشكل مباشر في إشعال وتيرة الحرب وإطالة أمدها وسفك دماء السودانيين.

وفي هذا السياق، أكد المتحدث الرسمي باسم الجيش السوداني، العميد عاصم عوض عبد الوهاب، أن الحكومة تمتلك أدلة قاطعة لا تقبل الشك على تورط أبوظبي في الهجمات التي استهدفت عدة ولايات بدءاً من الأول من مارس. وأشار إلى أن الأدلة المستخلصة من طائرات مسيرة أُسقطت في منتصف شهر مارس تثبت ارتباطها بالإمارات، معتبراً أن ما قامت به أبوظبي يمثل “عدواناً مباشراً على السودان لن يقابل بالصمت”. إن هذا التدخل المستمر يقوض كافة جهود السلام ويؤدي إلى سقوط المزيد من الضحايا الأبرياء في ظل أزمة إنسانية طاحنة تهدد حياة الملايين.

التورط الإثيوبي وتصاعد الاتهامات المتبادلة

لم يقتصر الدعم على أبوظبي وحدها، حيث اتهم السودان الجانب الإثيوبي بالسماح بإطلاق الطائرات المسيرة وتوفير الملاذ للمتمردين من أراضيه. وكشفت معلومات استخباراتية في فبراير/شباط الماضي أن إثيوبيا تستضيف معسكراً لتدريب آلاف المقاتلين لصالح قوات الدعم السريع، بالإضافة إلى قيامها بتطوير مطار أسوسا القريب لاستخدامه في عمليات الطائرات المسيرة ضد أهداف الجيش.

وأوضح الجيش السوداني في بياناته أن الهجمات الأخيرة التي استهدفت مطار الخرطوم انطلقت من مطار بحر دار الإثيوبي، حيث تم ربط إحدى الطائرات المسيرة التي أُسقطت بالعمليات التي استهدفت المطار. وتأتي هذه التطورات في ظل التوترات المتصاعدة في ولاية النيل الأزرق الحدودية.

هيمنة الطائرات المسيرة وتكلفة بشرية باهظة

أصبحت الطائرات المسيرة الأداة الرئيسية والقاتلة في هذا الصراع، مما تسبب في مقتل مئات الآلاف بسبب العنف والجوع والمرض، فضلاً عن تدمير البنية التحتية. وقد شهدت الأيام الماضية هجمات متفرقة شملت عدة مناطق:

  • مدينة أم درمان: أسفرت عن مقتل خمسة أشخاص في حافلة مدنية.
  • مدينة كنانة: استهدفت أفراداً من عائلة القائد القبلي المتحالف مع الجيش أبو عاقلة كيكل.

وقد استهدفت الضربات منذ يوم الجمعة الماضي أهدافاً عسكرية ومناطق مدنية في العاصمة الخرطوم، التي بدأت تشهد عودة للمواطنين والوزارات منذ استعادتها القوات المسلحة في مارس 2025.

الانشقاقات الميدانية وتغير موازين القوى

تتزامن هذه الهجمات مع حالة من التصدع الداخلي الكبير في صفوف قوات الدعم السريع. فبعد انشقاق القائد القبلي أبو عاقلة كيكل، استقبل الجيش السوداني في الخرطوم مؤخراً كبار قادة قوات الدعم السريع المنشقين، مثل النور القبة وقواته. وعلى الرغم من أهميتها الاستراتيجية في إضعاف التمرد، إلا أن هذه الانشقاقات تثير مخاوف من حدوث توترات جديدة داخل التحالف العسكري للجيش.

خاتمة: موقف الجيش السوداني والبعد الإنساني

تؤكد التطورات الأخيرة أن التدخلات الإقليمية – سواء عبر الدعم المباشر أو تسهيل انطلاق الطائرات المسيرة – تلعب الدور الأكبر في إراقة الدماء السودانية وتعميق أسوأ كارثة إنسانية في العالم. وقد شدد الجيش السوداني على أن هذا العدوان المباشر لن يمر دون رد، مما ينذر بتوسع دائرة الصراع وزيادة معاناة ملايين المدنيين الذين أجبروا على الفرار من ويلات الحرب.

اقرأ أيضًا : نتنياهو يترنح تحت وطأة الفشل: البحث عن “كبش فداء” للتغطية على هزيمة الاحتلال في لبنان