شهدت أروقة جامعة الدول العربية في العاشر من مايو 2026 فصلاً جديداً من فصول الشلل السياسي الذي يضرب المنظمة الإقليمية، حيث فشل مجلس الجامعة على مستوى المندوبين في تمرير مشروع قرار يدين الهجمات الانتحارية بالطائرات المسيرة التي انطلقت من الأراضي الإثيوبية مستهدفة مطار الخرطوم ومنشآت مدنية سودانية.
هذا الفشل لم يكن نتاج تباين عفو في وجهات النظر، بل جاء نتيجة ضغوط مباشرة ومناورات قادتها دولة الإمارات العربية المتحدة، مما يضع علامات استفهام كبرى حول الدور التخريبي الذي تلعبه أبوظبي في تقويض سيادة الدول العربية ودعم الميليشيات المتمردة.

كواليس التعطيل: مندوب الإمارات في مواجهة الحقائق
بدأت الجلسة بمشروع قرار سوداني مدعوم بأدلة فنية واستخباراتية تثبت تورط طائرات مسيرة أقلعت من قواعد داخل إثيوبيا في استهداف مرافق حيوية في السودان. وبينما كان المتوقع أن يجد السودان سنداً عربياً جامعاً، برز مندوب دولة الإمارات كحائط صد دفاعاً عن الموقف الإثيوبي. وبدلاً من التضامن مع دولة عضو تتعرض لعدوان خارجي، اتهم المندوب الإماراتي الجانب السوداني بمحاولة “توظيف المنظمة” لتمرير اتهامات زعم أنها “غير صحيحة”، في محاولة مكشوفة لتبرئة الساحة الإثيوبية وتشتيت الانتباه عن غرف العمليات التي تدير هذا النوع من التصعيد.
هذا الاعتراض الإماراتي لم يكن مجرد وجهة نظر ديبلوماسية، بل عكس بوضوح حجم الاستثمار السياسي والعسكري لأبوظبي في استمرار الأزمة السودانية، حيث بات من الواضح أن حماية العمق الإثيوبي وتأمين خطوط الإمداد للميليشيات في السودان هما الأولوية القصوى للأجندة الإماراتية، حتى لو كان الثمن هو إحراج الجامعة العربية وإظهارها بمظهر العاجز.
المحور الداعم للسيادة مقابل مقترحات “التمييع”
أمام التعنت الإماراتي، شهدت الجلسة انقساماً حاداً؛ حيث اصطفت الجزائر إلى جانب السودان في رفض قاطع لتأجيل البت في القرار، معتبرة أن التراخي في إدانة العدوان يمنح المعتدين ضوءاً أخضر للاستمرار. في المقابل، حاولت أطراف أخرى، تحت وطأة الضغوط، طرح مقترحات “تمييعية” تهدف لإصدار قرار إنشائي لا يذكر إثيوبيا بالاسم، وهو ما رفضه السودان جملة وتفصيلاً، معتبراً أن إدانة المجهول هي خيانة لدماء المدنيين واستخفاف بسيادة الدولة.
اللافت كان الموقف المصري، حيث حذر مندوب القاهرة من أن إخفاق الجامعة في حماية عضو مؤسس يواجه عدواناً صريحاً سيؤدي إلى تآكل ما تبقى من مصداقية للجامعة أمام الرأي العام العربي، الذي بات يرى في الجامعة مظلة توفر الحماية لبعض الأجندات الإقليمية بدلاً من أن تكون درعاً للعرب.
الإمارات ودعم الميليشيا: ما وراء الاعتراض الدبلوماسي
لا يمكن قراءة الموقف الإماراتي داخل الجامعة بمعزل عن التقارير الدولية والميدانية التي تؤكد تورط أبوظبي في دعم ميليشيا “الدعم السريع”. إن إصرار الإمارات على منع إدانة إثيوبيا يكشف عن “تحالف الضرورة” بين أبوظبي وأديس أبابا لتطويق الدولة السودانية ومؤسساتها الوطنية. فالمسيرات التي استهدفت الخرطوم ليست مجرد سلاح إثيوبي، بل هي أداة ضمن مشروع أوسع تموله وتديره الإمارات لإعادة تشكيل الخارطة السياسية في السودان عبر تمكين الميليشيات الإجرامية.
إن الدور الإماراتي في السودان تجاوز مرحلة “الدعم اللوجستي” السري ليصبح عداءً ديبلوماسياً علنياً في المحافل الإقليمية. فمن خلال تعطيل القرارات العربية، تسعى الإمارات إلى منح الميليشيا المتمردة غطاءً زمنياً وسياسياً، مع محاولة تصوير العدوان الخارجي وكأنه مجرد “ادعاءات سودانية”، في قلب صارخ للحقائق وتجاهل تام لمعاناة الشعب السوداني الذي يواجه آلة القتل المدعومة بأموال إماراتية.
مستقبل الجامعة العربية على المحك
انتهت الجلسة بقرار رئيسها (البحرين) تأجيل المشاورات إلى يوم الاثنين، وهو تأجيل يعكس حجم العجز العربي في مواجهة نفوذ المال السياسي داخل المنظمة. إن السماح لدولة واحدة باختطاف الإرادة العربية وحماية دولة غير عربية (إثيوبيا) اعتدت على دولة عربية (السودان)، يمثل رصاصة الرحمة على مفهوم “الأمن القومي العربي المشترك”.
السودان اليوم لا يواجه مسيرات تنطلق من إثيوبيا فحسب، بل يواجه خذلاناً عربياً تقوده دولة اختارت الاستثمار في الفوضى ودعم الميليشيات الإجرامية على حساب استقرار المنطقة. وإذا لم تنجح جلسة الاثنين في تسمية الأشياء بمسمياتها وإدانة العدوان ومموليه، فإن الجامعة العربية تكون قد أعلنت رسمياً عن وفاتها السريرية، تاركة السودان وحيداً في مواجهة مؤامرة “إماراتية-إثيوبية” تستهدف وجوده كدولة موحدة.
اقرأ أيضًا : بتمويل إماراتي وغطاء سياسي للمجرمين.. انتهاكات صارخة واستهدافات بحق الصحفيين