ترجمة مقال الكاتب والأكاديمي السعودي أحمد التويجري

تتعامل الولايات المتحدة مع الاتفاق النووي المدني المحتمل مع السعودية وكأنه ورقة ضغط يمكن استخدامها لدفع الرياض إلى التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي. هذه المقاربة ليست فقط خطأ دبلوماسيًا، بل تحمل خطرًا استراتيجيًا كبيرًا؛ لأنها تخلط بين ملفين مختلفين تمامًا: حق السعودية في تطوير برنامج نووي مدني بضمانات واضحة، ومحاولة واشنطن وتل أبيب انتزاع تطبيع مجاني مع الاحتلال قبل أي حل حقيقي للقضية الفلسطينية.

 

المشكلة الأساسية أن واشنطن تريد من السعودية أن تتراجع عن موقف ثابت أعلنته منذ أكثر من عقدين: لا تطبيع كامل مع الاحتلال قبل وجود مسار جاد وموثوق نحو قيام دولة فلسطينية. هذا الموقف ليس مجرد ورقة تفاوضية تستخدمها الرياض لرفع السعر، بل هو جزء من عقيدة سياسية سعودية راسخة منذ مبادرة السلام العربية عام 2002، التي ربطت التطبيع الشامل بانسحاب الاحتلال من الأراضي المحتلة وإقامة دولة فلسطينية.

 

لذلك، فإن أي محاولة أمريكية لربط الاتفاق النووي المدني بالتطبيع الفوري مع الاحتلال تعني عمليًا مطالبة السعودية بالتخلي عن شرطها المركزي، ومنح إسرائيل جائزة سياسية ضخمة دون أن تقدم شيئًا حقيقيًا للفلسطينيين. وهذا بالضبط ما تريده تل أبيب: تطبيع عربي جديد، واندماج إقليمي أوسع، وعلاقات مفتوحة مع السعودية، من دون إنهاء الاحتلال أو وقف الاستيطان أو الاعتراف الجدي بحق الفلسطينيين في دولتهم.

 

لا يمكن الوثوق في نوايا الاحتلال الإسرائيلي في هذا الملف. إسرائيل لا تريد اتفاقًا نوويًا سعوديًا لمصلحة الاستقرار الإقليمي، ولا تريد سلامًا عادلًا يقوم على الحقوق الفلسطينية. ما تريده هو استخدام الضغط الأمريكي لتحويل التطبيع إلى أداة لتصفية القضية الفلسطينية سياسيًا، بحيث تحصل على علاقات مع أكبر دولة عربية وإسلامية تأثيرًا، بينما يبقى الفلسطينيون تحت الاحتلال والحصار والقتل والتهجير.

 

ولا يمكن الوثوق تمامًا في نوايا واشنطن أيضًا. فالولايات المتحدة، بدل أن تتعامل مع البرنامج النووي المدني السعودي كملف مستقل مرتبط بالطاقة والتنمية والضمانات الدولية ومنع الانتشار النووي، تحاول تحويله إلى اختبار ولاء سياسي للمشروع الإسرائيلي. هذا ليس تعاملًا استراتيجيًا مع شريك مهم، بل ابتزاز دبلوماسي يخدم الاحتلال أكثر مما يخدم المصالح الأمريكية أو السعودية.

 

من مصلحة واشنطن، إذا كانت تفكر بعقلانية، أن تبقى طرفًا أساسيًا في أي برنامج نووي مدني سعودي. فالاتفاق مع الولايات المتحدة يمكن أن يضمن رقابة أوضح، وتعاونًا تقنيًا أعمق، ومعايير أعلى لمنع الانتشار النووي. لكن إذا أصرت واشنطن على ربط هذا التعاون بتطبيع فوري مع الاحتلال، فإنها قد تدفع الرياض إلى البحث عن بدائل أخرى مع قوى دولية منافسة مثل الصين أو روسيا أو غيرهما. عندها لن تخسر واشنطن صفقة فقط، بل ستخسر جزءًا من نفوذها في واحد من أهم ملفات الشرق الأوسط.

 

هذا ما لا تفهمه الإدارة الأمريكية جيدًا: العالم لم يعد أحادي القطب كما كان. السعودية لم تعد محصورة في خيار واحد، ولا واشنطن تملك وحدها مفاتيح التكنولوجيا والاستثمار والتحالفات. الرياض وسعت علاقاتها مع الصين والهند، وأعادت فتح قنوات مع إيران، وتتحرك في عالم أكثر تعددية. لذلك فإن الضغط الأمريكي لم يعد مضمون النتائج كما كان سابقًا، واستخدام الاتفاق النووي كورقة ابتزاز قد يؤدي إلى نتيجة عكسية تمامًا.

 

الأخطر أن هذا الضغط يأتي بعد حرب غزة وما كشفته من انحياز غربي كامل للاحتلال. الرأي العام العربي والإسلامي أصبح أكثر حساسية تجاه أي خطوة تطبيع تتجاهل الدم الفلسطيني. بعد الإبادة والتهجير والحصار والتجويع، لن يكون التطبيع مع الاحتلال مجرد قرار دبلوماسي، بل رسالة سياسية خطيرة تقول إن إسرائيل يمكن أن ترتكب ما تشاء، ثم تحصل على المكافأة في النهاية.

 

بالنسبة للسعودية، التراجع عن شرط الدولة الفلسطينية لن يكون تفصيلًا بسيطًا. سيضرب صورتها الإقليمية، ويمنح خصومها فرصة القول إنها باعت القضية الفلسطينية مقابل اتفاق نووي، وسيضعف أي دور مستقبلي لها في قيادة موقف عربي أو إسلامي تجاه فلسطين. ولهذا تتمسك الرياض، حتى الآن، بفكرة أن التطبيع يجب أن يأتي بعد مسار سياسي حقيقي، لا قبله.

 

التسلسل هنا مهم جدًا. واشنطن تريد تطبيعًا أولًا، ثم وعودًا غامضة للفلسطينيين لاحقًا. أما الموقف السعودي المعلن فيقول العكس: حقوق الفلسطينيين أولًا، ثم التطبيع. الفرق بين الصيغتين ليس لغويًا، بل جوهري. الأولى تمنح الاحتلال كل ما يريد مقدمًا، والثانية تجعله يدفع ثمنًا سياسيًا مقابل أي اندماج إقليمي.

 

إن ربط الاتفاق النووي بالتطبيع يخدم إسرائيل لأنه ينقل النقاش من حقوق الفلسطينيين إلى مطالب تل أبيب الأمنية والسياسية. بدل أن يكون السؤال: متى ينتهي الاحتلال؟ يصبح السؤال: ماذا تريد إسرائيل كي تقبل باتفاق نووي سعودي؟ وبدل أن تُحاسب إسرائيل على جرائمها في غزة والضفة، تتحول إلى طرف يُستشار ويُرضى ويُمنح حق الاعتراض على خيارات دولة عربية كبرى.

 

هذا أمر خطير. لا يجب أن يتحول البرنامج النووي المدني السعودي إلى رهينة بيد الاحتلال. ولا يجب أن تُمنح إسرائيل حق تقرير مستقبل الطاقة والتنمية في السعودية. وإذا كانت واشنطن جادة في الشراكة مع الرياض، فعليها أن تفصل بين التعاون النووي المدني وبين أجندة التطبيع التي تسعى إسرائيل إلى فرضها دون ثمن.

 

التطبيع، إن حدث يومًا، يجب أن يكون وفق شروط واضحة: مسار ملزم نحو دولة فلسطينية، وقف الاستيطان، إنهاء الاحتلال، ضمان الحقوق السياسية للفلسطينيين، ووقف العدوان. أما التطبيع المجاني، أو التطبيع مقابل وعود أمريكية لا تلزم إسرائيل بشيء، فهو مكافأة للاحتلال وإضعاف للموقف العربي.

 

التحذير هنا واضح: تحويل الاتفاق النووي السعودي إلى أداة لابتزاز الرياض ودفعها نحو التطبيع سيضر بالجميع. سيضعف الموقف السعودي، ويمنح الاحتلال مكسبًا بلا ثمن، ويزيد الغضب الشعبي العربي، ويدفع السعودية إلى تنويع خياراتها بعيدًا عن واشنطن، ويكشف مرة أخرى أن الولايات المتحدة لا تدير الشرق الأوسط وفق منطق الاستقرار، بل وفق أولوية حماية إسرائيل.

 

المطلوب ليس أن تتخلى السعودية عن شروطها، بل أن تتمسك بها أكثر. فالدولة الفلسطينية ليست تفصيلًا تفاوضيًا، وحقوق الفلسطينيين ليست ورقة جانبية في صفقة نووية. وأي اتفاق يتجاوز فلسطين لن يصنع سلامًا، بل سيمنح الاحتلال وقتًا ونفوذًا وشرعية إضافية.

 

الخلاصة أن الاتفاق النووي المدني يجب أن يُناقش على أساس مصالح السعودية واحتياجاتها التنموية وضمانات منع الانتشار، لا على أساس ما تريده إسرائيل. أما ربطه بالتطبيع، فهو فخ سياسي واضح: واشنطن تضغط، إسرائيل تستفيد، والفلسطينيون يُطلب منهم مرة أخرى دفع الثمن.

 

لا سلام حقيقيًا مع الاحتلال من دون فلسطين. ولا ينبغي لأي اتفاق نووي، مهما كانت أهميته، أن يتحول إلى بوابة لتصفية الحقوق الفلسطينية أو مكافأة إسرائيل على جرائمها.

 

 

التصميم

هل تتحول الصفقة النووية السعودية إلى بوابة للتطبيع مع الاحتلال؟

 

 

البوست

هل تتحول الصفقة النووية السعودية إلى بوابة للتطبيع مع الاحتلال؟

 

تقرير جديد يحذر من خطورة ربط الاتفاق النووي المدني بين السعودية والولايات المتحدة بالتطبيع مع إسرائيل، باعتباره فخًا سياسيًا يخدم تل أبيب أكثر مما يخدم الرياض أو الاستقرار في المنطقة.

 

فالمطلوب أمريكيًا وإسرائيليًا واضح: دفع السعودية إلى التراجع عن موقفها المعلن منذ سنوات، ومنح الاحتلال مكسبًا تاريخيًا عبر التطبيع، دون مسار حقيقي نحو دولة فلسطينية أو وقف للاحتلال والاستيطان والعدوان.

 

أبرز ما يتناوله التقرير:

 

  • لماذا يمثل ربط الاتفاق النووي السعودي بالتطبيع خطأً استراتيجيًا خطيرًا.
  • كيف تحاول واشنطن استخدام الملف النووي كورقة ضغط لصالح إسرائيل.
  • لماذا تتمسك السعودية بأن التطبيع يجب أن يأتي بعد مسار جاد نحو الدولة الفلسطينية، لا قبله.
  • كيف تسعى إسرائيل للحصول على تطبيع مجاني دون تقديم أي ثمن سياسي للفلسطينيين.
  • لماذا قد يدفع الضغط الأمريكي الرياض إلى البحث عن بدائل دولية بعيدًا عن واشنطن.
  • كيف كشفت حرب غزة أن أي تطبيع يتجاهل حقوق الفلسطينيين سيكون مكافأة مباشرة للاحتلال.

 

التقرير يؤكد أن الاتفاق النووي المدني يجب أن يُناقش وفق مصالح السعودية واحتياجاتها التنموية وضمانات منع الانتشار، لا وفق مطالب إسرائيل.

 

فلا سلام حقيقيًا مع الاحتلال من دون فلسطين، ولا ينبغي لأي صفقة نووية أن تتحول إلى غطاء لتصفية الحقوق الفلسطينية أو مكافأة إسرائيل على جرائمها.