يكشف تحقيق موسع نشرته صحيفة Financial Times كيف تحولت الإمارات، خلال عقدين فقط، من دولة خليجية مثيرة للقلق داخل واشنطن بعد هجمات 11 سبتمبر، إلى واحدة من أكثر حلفاء الولايات المتحدة نفوذًا في الشرق الأوسط. لكن القصة، كما يعرضها التحقيق، ليست قصة “نجاح دبلوماسي” بريء، ولا مجرد تطور طبيعي في العلاقات بين دولتين. إنها قصة نفوذ بُني بالمال، والضغط السياسي، والتطبيع مع إسرائيل، والاستثمارات الضخمة في التكنولوجيا، والقدرة على تقديم خدمات أمنية وعسكرية جعلت أبوظبي شريكًا مفيدًا لواشنطن، حتى حين تتورط في ملفات كان يمكن أن تجرّ دولًا أخرى إلى العقاب أو العزلة.

قبل عشرين عامًا، كانت الإمارات في قلب عاصفة سياسية داخل الولايات المتحدة. فقد حاولت شركة DP World المملوكة لدبي شراء وتشغيل ستة موانئ أمريكية كبرى، لكن الصفقة فجّرت غضبًا واسعًا في الكونغرس. كان الجرح الأمريكي بعد هجمات 11 سبتمبر لا يزال مفتوحًا، خصوصًا أن اثنين من منفذي الهجمات كانا من الإمارات. وذهب بعض أعضاء الكونغرس إلى وصف الإمارات بأنها مركز تمويل لتنظيم القاعدة ومشكلة مستمرة في مكافحة الإرهاب، معتبرين أن السماح لها بإدارة موانئ استراتيجية يمثل تهديدًا للأمن القومي الأمريكي.

لم يشفع للإمارات حينها أنها كانت الدولة العربية الوحيدة التي نشرت قوات لدعم الحرب الأمريكية في أفغانستان، ولا أن إدارة جورج بوش دعمت الصفقة. الضغط السياسي كان أقوى، واضطرت DP World إلى الانسحاب. لكن الأزمة، بحسب تحقيق فايننشال تايمز، لم تكن مجرد هزيمة تجارية؛ بل كانت لحظة مؤسسة في طريقة تفكير أبوظبي تجاه واشنطن.

في ذلك الوقت، جمع محمد بن زايد، وكان حينها ولي عهد أبوظبي والرجل الأقوى في الإمارات، مستشاريه في اجتماع طارئ. الرسالة التي خرج بها كانت واضحة: المشكلة ليست فقط في الصفقة، بل في أن الأمريكيين لا يعرفون الإمارات كما تريد هي أن تُعرف. من هنا بدأ مشروع طويل لإعادة تصنيع صورة الدولة داخل واشنطن: ليس كدولة صغيرة مرتبطة بشبهات ما بعد 11 سبتمبر، بل كحليف عسكري موثوق، ونموذج اقتصادي “حديث”، وشريك يمكن الاعتماد عليه في ملفات الأمن والتكنولوجيا وإسرائيل.

بعد عقدين، نجحت الإمارات في قلب الصورة. أصبح محمد بن زايد رئيسًا للدولة، وصارت الإمارات تُعرف لدى سياسيين وقادة عسكريين أمريكيين باسم مديحي هو “إسبرطة الصغيرة”، في إشارة إلى قدرتها العسكرية ونشاطها الأمني مقارنة بحجمها الجغرافي. وفي 28 يوليو، أعلن الجيش الأمريكي أنه يعمل مع الإمارات على تسريع تطوير “الذكاء الاصطناعي العسكري”، في مؤشر جديد على عمق العلاقة التي انتقلت من التعاون التقليدي في مكافحة الإرهاب إلى مجالات أكثر حساسية تتعلق بالتكنولوجيا والحرب المستقبلية.

لكن الطريق إلى هذا الموقع لم يكن مفروشًا بالثقة المجانية. بحسب التحقيق، استخدمت الإمارات مزيجًا من المال والسحر السياسي للوصول إلى قلب واشنطن. فهي تدير عبر صناديقها السيادية وشركاتها المدعومة من الدولة أصولًا تقارب 1.7 تريليون دولار، واستثمرت بكثافة داخل الولايات المتحدة، ليس فقط في الاقتصاد الأمريكي عمومًا، بل أيضًا في دوائر شديدة القرب من عائلة الرئيس دونالد ترامب ومصالحها.

الأخطر أن الكونغرس الجمهوري لم يعد يبدي القلق نفسه من الاستثمارات الإماراتية في قطاعات تمس الأمن القومي الأمريكي. ففي واحدة من أكثر النقاط حساسية في التحقيق، تشير فايننشال تايمز إلى أن ترامب منح الإمارات مؤخرًا حق الوصول إلى بعض أكثر الرقائق الأمريكية تقدمًا، وذلك بعد أشهر فقط من استثمار شخصية إماراتية بارزة 500 مليون دولار في مشروع عملات رقمية مرتبط بعائلة ترامب. ومن هنا تصبح القصة أبعد بكثير من “علاقات استراتيجية”؛ إنها تداخل مباشر بين المال الإماراتي، والمصالح السياسية الأمريكية، وملفات التكنولوجيا الحساسة.

حين تحدث ترامب عن محمد بن زايد في يونيو، وصفه بأنه “محارب”، وقال إن الإمارات “بلد رائع”. هذه اللغة ليست مجرد مجاملة. إنها تعكس نجاح حملة طويلة جعلت أبوظبي حاضرة بقوة داخل دوائر القرار الأمريكية، بحيث بات ينظر إليها في واشنطن لا كدولة استبدادية صغيرة، بل كحليف عملي ومفيد وممول ومستعد للعب الأدوار التي تحتاجها الولايات المتحدة في المنطقة.

يوسف العتيبة: سفير اللوبي الإماراتي في واشنطن

يخصص تحقيق فايننشال تايمز مساحة كبيرة لدور يوسف العتيبة، سفير الإمارات في واشنطن، الذي أصبح أحد أهم مهندسي هذا التحول. العتيبة، المستشار السابق لمحمد بن زايد والمتعلم في جامعة جورجتاون، أُرسل إلى واشنطن عام 2008 ليقدم للأمريكيين نسخة جديدة من الإمارات. لم يكن وحده؛ فقد عمل إلى جانبه جيش صغير من جماعات الضغط عالية المستوى، في حملة منظمة استهدفت الكونغرس، مراكز الأبحاث، الجامعات، المدارس، الإعلام، ودوائر النخبة السياسية.

المال كان الأداة الأساسية. فبحسب OpenSecrets، أنفقت الإمارات أكثر من 270 مليون دولار في واشنطن خلال السنوات العشر الأخيرة وحدها. وبجانب السعودية التي أنفقت 422 مليون دولار وقطر التي أنفقت 269 مليون دولار، جاءت الإمارات ضمن أكبر المنفقين عالميًا في سوق النفوذ السياسي الأمريكي.

ولم يقتصر الإنفاق على شركات الضغط. فقد ضخّت الإمارات أموالًا في مراكز أبحاث بارزة مثل Atlantic Council وCenter for Strategic and International Studies وRAND وغيرها، واستضافت مؤتمرات وفعاليات دولية، وأسست مجلس أعمال أمريكيًا إماراتيًا حتى قبل وصول العتيبة. هذه ليست تفاصيل جانبية؛ فمراكز الأبحاث في واشنطن لا تنتج أوراقًا فقط، بل تصنع لغة السياسة، وتوفر الخبراء للإعلام، وتؤثر في مزاج الكونغرس والإدارات المتعاقبة.

لكن التحقيق يوضح أن العتيبة نفسه كان العامل الأكثر تأثيرًا. نقلت فايننشال تايمز عن مسؤول أمريكي سابق في وزارة الخارجية قوله إن العتيبة كان “لا يكل” في تنظيم الولائم والعلاقات وبناء مؤيدين داخل الحزبين الجمهوري والديمقراطي. وأضاف المسؤول أن من اللافت عدد المسؤولين السابقين وموظفي الكونغرس الذين كتبوا مقالات تمدح العلاقة الأمريكية الإماراتية وتقدمها كعلاقة مفيدة للطرفين.

هنا يظهر جوهر الحملة الإماراتية: صناعة نخبة أمريكية تتحدث بلسان أبوظبي، أو على الأقل تتبنى روايتها. فعندما يكتب مسؤول سابق أو خبير في مركز أبحاث أو موظف سابق في الكونغرس مقالًا يمجد “الشراكة” مع الإمارات، لا يظهر ذلك للمتلقي كدعاية مدفوعة، بل كتحليل مستقل. وهذا تحديدًا ما جعل اللوبي الإماراتي أكثر فاعلية: قدرته على تحويل مصالح أبوظبي إلى خطاب أمريكي يبدو عقلانيًا ومحايدًا.

التطبيع مع إسرائيل: البوابة الخلفية إلى قلب واشنطن

كان أكبر انقلاب دعائي حققته الإمارات في واشنطن هو توقيع اتفاقات أبراهام عام 2020، عندما أصبحت الدولة الخليجية أول الموقعين البارزين على اتفاق التطبيع مع إسرائيل برعاية ترامب. في تلك اللحظة، لم تعد الإمارات تقدم نفسها فقط كحليف أمني أو مستثمر غني، بل كدولة عربية “شجاعة” فتحت الباب لعلاقة علنية مع إسرائيل، وهي خطوة أبهرت المؤسسة السياسية الأمريكية وغيرت صورة أبوظبي بصورة عميقة.

بحسب مسؤول سابق في وزارة الخارجية الأمريكية تحدث إلى فايننشال تايمز، قرأ الإماراتيون المشهد جيدًا وفهموا أن إسرائيل هي الطريق إلى فريق ترامب. وقال المسؤول إن توثيق العلاقات مع إسرائيل كان بمثابة “باب خلفي واسع” للالتفاف على الانتقادات التي كانت تواجه الإمارات.

هذه العبارة تكشف كثيرًا. فالتطبيع لم يكن مجرد خيار سياسي متعلق بالسلام كما تروج أبوظبي، بل أداة استراتيجية لاختراق واشنطن وتحصين صورة الإمارات. إسرائيل، بالنسبة للسياسة الأمريكية، ليست ملفًا خارجيًا عاديًا، بل مفتاح نفوذ داخل الكونغرس والبيت الأبيض والإعلام ومراكز الضغط. ومن خلال التطبيع، حصلت الإمارات على شهادة قبول من واحدة من أقوى بوابات السياسة الأمريكية.

هذا التطبيع خدم أهداف محمد بن زايد الأوسع: تنويع الاقتصاد بعيدًا عن النفط، بناء طموح عالمي في الذكاء الاصطناعي، والخروج من ظل السعودية بوصفها القوة الخليجية الأكبر. نقل التحقيق عن باربرا ليف، السفيرة الأمريكية السابقة في أبوظبي، أن الإمارات طالما نظرت إلى إسرائيل وسنغافورة كنموذجين: دول صغيرة، ذات عدد سكان محدود، لكنها تملك تأثيرًا عالميًا سياسيًا ودبلوماسيًا واقتصاديًا وعسكريًا.

بهذا المعنى، لم تكن الإمارات تبحث فقط عن تحالف مع إسرائيل، بل عن استعارة نموذجها: دولة صغيرة تستخدم التكنولوجيا، والعسكرة، والاستخبارات، والعلاقات الأمريكية، لتصبح أكبر من حجمها الطبيعي. لكن الفرق أن الإمارات تطبق هذا النموذج داخل منطقة عربية ممزقة، وبالاستناد إلى تطبيع مع دولة متهمة بارتكاب جرائم واسعة بحق الفلسطينيين.

من الموانئ إلى الذكاء الاصطناعي: الإمارات تدخل الصناعة الأخطر

بعد فشلها قبل عشرين عامًا في شراء موانئ أمريكية، دخلت الإمارات تدريجيًا قطاعًا أكثر قيمة وحساسية: الذكاء الاصطناعي والرقائق. ينقل تحقيق فايننشال تايمز عن مسؤول كبير في إدارة بايدن، عمل عن قرب مع الإمارات، قوله إن مدى ارتباط صناعة الذكاء الاصطناعي الأمريكية بالمال الإماراتي “مخيف”.

شركة MGX، التي يرأسها مستشار الأمن الوطني الإماراتي وشقيق الرئيس، طحنون بن زايد، أطلقت شراكات واسعة مع شركات مثل OpenAI وxAI. كما أن مبادلة، أحد صناديق أبوظبي السيادية، أسست شركة الرقائق GlobalFoundries عام 2009، ولا تزال تحتفظ بحصة مسيطرة فيها. إضافة إلى ذلك، قامت كيانات أخرى في أبوظبي، بينها شركة G42 المرتبطة أيضًا بطحنون بن زايد، باستثمارات كبيرة في قطاع التكنولوجيا الأمريكي.

وفي سبتمبر الماضي، استحوذت MGX على حصة 15% في TikTok ضمن كونسورتيوم قادته الولايات المتحدة وتوصل إلى اتفاق مع واشنطن. وهكذا انتقلت العلاقة الأمريكية الإماراتية من تعاون ما بعد 11 سبتمبر في “محاربة الأشرار معًا”، كما وصفها مسؤول إماراتي، إلى علاقة اقتصادية وتكنولوجية أكثر تشابكًا.

يقول مسؤول إماراتي في التحقيق إن عالم ما بعد الحرب مع إيران سيكون “هجينًا”: تعاونًا أمنيًا واقتصاديًا في الوقت نفسه. لم يعد الأمر، حسب قوله، متعلقًا بما تشتريه الإمارات من الصناعات الدفاعية الأمريكية، بل بما تبنيه معها: مراكز بيانات، شراكات مع Microsoft وNvidia وBlackRock وOpenAI.

هذا التحول هو جوهر الرهان الإماراتي الجديد. أبوظبي لا تريد أن تظل زبونًا يشتري السلاح، بل تريد أن تصبح شريكًا داخل البنية التكنولوجية نفسها. لكن هذا الطموح يطرح سؤالًا خطيرًا: هل أصبحت التكنولوجيا الأمريكية الحساسة رهينة لمال دولة استبدادية تملك علاقات وثيقة مع الصين، وتستخدم نفوذها لخدمة أجندات إقليمية مثيرة للجدل؟

صفقة الرقائق وعائلة ترامب: نفوذ أم فساد سياسي؟

بلغ النفوذ الإماراتي ذروته عندما قررت وزارة التجارة الأمريكية السماح ببيع رقائق متقدمة إلى الإمارات ورفع بعض قيود التصدير المتعلقة بها. وصف يوسف العتيبة الصفقة بأنها “علامة فارقة” جاءت نتيجة “انخراط مستمر”. لكن ديمقراطيين رأوا فيها شيئًا مختلفًا تمامًا.

النائبة الديمقراطية عن أريزونا ياسمين أنصاري وصفت الصفقة بأنها ربما تكون “واحدة من أكبر وأوضح مخططات الفساد في تاريخ الولايات المتحدة”. سبب الغضب يعود إلى تقارير عن أن مساعدين لطحنون بن زايد اشتروا حصة 49% في مشروع العملات الرقمية المرتبط بعائلة ترامب، World Liberty Financial، قبل تنصيب ترامب العام الماضي بفترة قصيرة.

ولاحقًا، اشترت MGX عملة مستقرة بقيمة 2 مليار دولار من World Liberty لاستخدامها في الاستثمار في منصة العملات الرقمية Binance. وقال السيناتور الديمقراطي كريس فان هولين إن الصفقة منحت عمليًا World Liberty ملياري دولار نقدًا. كما اشترى صندوق مقره الإمارات يطلق على نفسه اسم Aqua 1 Foundation رموزًا رقمية صادرة عن World Liberty بقيمة 100 مليون دولار.

الإماراتيون يقولون إن هذه الاستثمارات قرارات تجارية خاصة لا علاقة لها بالطموحات السياسية الإماراتية أو بصفقة الرقائق مع واشنطن. كما تقول MGX إنها لا تحتفظ اليوم بأي من عملة World Liberty المستقرة، وإنها لم تدفع رسومًا إلى الشركة أو الجهات التابعة لها. ويقول متحدث باسم World Liberty إن العملة المستقرة كانت مجرد وسيلة دفع لاستثمار MGX، وإن وصفها كمنحة نقدية أمر غير صحيح.

لكن حتى مع هذه النفي، فإن التزامن وحده يطرح أسئلة ثقيلة. دولة تسعى إلى الوصول إلى رقائق أمريكية متقدمة، وشخصيات مرتبطة بقيادتها تستثمر في مشروع مالي مرتبط بعائلة الرئيس الأمريكي، ثم تحصل الإمارات على قرار مهم في ملف التكنولوجيا الحساسة. هذه ليست علاقة عادية بين حليفين؛ إنها نموذج لكيف يتحول المال إلى طريق مختصر داخل السلطة الأمريكية.

الأجهزة الأمنية الأمريكية ونواب في الكونغرس حذروا لسنوات من أن منح الإمارات حق الوصول إلى رقائق متقدمة قد يجعل التكنولوجيا الأمريكية الحساسة عرضة للوصول إلى الصين، الخصم العالمي الأكبر للولايات المتحدة، خصوصًا أن الإمارات تملك علاقات تجارية وتكنولوجية وثيقة مع بكين. إدارة ترامب والإمارات تقولان إنهما اتخذتا إجراءات لحماية التكنولوجيا، لكن مسؤولين سابقين ونوابًا ما زالوا يشككون في ذلك.

ينقل التحقيق عن مسؤول سابق في الخارجية الأمريكية قوله إن الإمارات صاغت علاقة مع الولايات المتحدة تخدم مصالحها إلى حد كبير، لكنها تضر بالسياسة الخارجية الأمريكية والمصالح القومية الأمريكية. وأضاف أن الحديث عن فوائد العلاقة بالنسبة لواشنطن، إذا فُحص بعمق، يبدو “ضبابيًا” و”غير ملموس”.

نفوذ يحمي من المحاسبة: السودان، الصين، وإيران

واحدة من أخطر خلاصات تحقيق فايننشال تايمز أن نفوذ الإمارات في واشنطن لم يمنحها فقط صفقات وشراكات، بل منحها أيضًا قدرة على الإفلات من عواقب أفعال كان يمكن أن تؤدي إلى عقوبات أو توبيخ شديد لو ارتكبتها دول أخرى.

فالإمارات، بحسب التحقيق، تجري تدريبات عسكرية مشتركة مع الصين، ومع ذلك لا تدفع ثمنًا سياسيًا كبيرًا في واشنطن. كما تواجه اتهامات بتزويد ميليشيا الدعم السريع في السودان بالأسلحة، وهي ميليشيا متهمة بارتكاب جرائم حرب. النائبة الديمقراطية سارة جاكوبس قالت إن هذه الأسلحة “تمكّن حرفيًا من إبادة جماعية”.

حتى وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قال العام الماضي إن الإمارات “تدعم علنًا كيانًا يرتكب إبادة جماعية” في السودان، وهي تهمة تنفيها الإمارات. ومع ذلك، يصوت النواب باستمرار ضد محاولات داخل الكونغرس لوقف مبيعات السلاح للإمارات بحجة أنها حليف استراتيجي للولايات المتحدة.

هذا هو جوهر الحصانة الإماراتية: يمكن أن تُتهم بدعم ميليشيا ترتكب فظائع في السودان، ويمكن أن تنتقدها شخصيات أمريكية بارزة، لكن عند لحظة القرار العملي، يستمر السلاح، وتستمر الشراكة، وتبقى أبوظبي داخل دائرة الحماية.

ولا يتوقف الأمر عند السودان. فقد أفلتت الإمارات أيضًا من توبيخ جدي بسبب دورها كمركز للتمويل الإيراني غير المشروع. كان هذا الدور، بحسب التحقيق، مركزيًا في بقاء النظام الإيراني قبل اندلاع الحرب، إلى درجة أن ترامب نفسه قال هذا العام إن الإمارات كانت “مثل المصرفي لإيران”.

تحليل أجرته فايننشال تايمز للعقوبات الأمريكية المتعلقة بإيران وجد أن الإمارات هي ثاني أكثر دولة ورودًا بعد الصين. فمن بين 1,573 كيانًا وفردًا خاضعين للعقوبات ولهم روابط بدولة خارج إيران، هناك 22% لديهم جنسية أو عناوين أو تسجيلات شركات في الإمارات.

هذه الأرقام تضرب الصورة التي تحاول أبوظبي تسويقها عن نفسها كحليف صارم ضد إيران. فبينما تظهر الإمارات في الخطاب السياسي كطرف متشدد تجاه طهران، تكشف العقوبات أن بيئتها المالية والتجارية كانت منفذًا مهمًا لكيانات مرتبطة بإيران. وهذا التناقض لم يمنعها من الحفاظ على موقعها في واشنطن.

قال السيناتور كريس فان هولين إن الإمارات تملك نفوذًا كبيرًا في واشنطن، “أكبر مما ينبغي”، ولذلك أفلتت من أشياء لم تكن دول أخرى لتفلت منها. هذه العبارة تختصر التحقيق كله: المشكلة ليست أن الإمارات أقنعت واشنطن فقط، بل أنها صنعت لنفسها حصانة سياسية داخلها.

الحرب مع إيران: نفوذ كبير بلا حق قرار

رغم كل هذا النفوذ، لم تستطع الإمارات منع الولايات المتحدة وإسرائيل من شن الحرب على إيران هذا العام. وهذه نقطة شديدة الأهمية في التحقيق؛ فهي تكشف حدود القوة الإماراتية. أبوظبي تملك وصولًا، وتأثيرًا، وعلاقات، لكنها لا تملك حق التصويت حين تقرر واشنطن وتل أبيب إشعال حرب على عتبة الخليج.

نقلت فايننشال تايمز عن باربرا ليف أن الإماراتيين يدركون أنهم يملكون مدى واسعًا من الوصول والنفوذ، لكنهم في النهاية لم يحصلوا على “تصويت” في حرب بدأت على عتبة بابهم، وتلقوا منها النصيب الأكبر من الهجمات. فقد أصبحت الإمارات الهدف الرئيسي للرد الإيراني، وتعرضت لموجات من الصواريخ والطائرات المسيّرة، ما أثار أسئلة حول صورة الدولة المستقرة وقدرتها على أن تكون مركزًا عالميًا للتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

بدل أن يدفع ذلك أبوظبي إلى مراجعة رهاناتها، اتخذت قرارًا أكثر خطورة: تعميق العلاقة مع واشنطن وإسرائيل. منذ بدء الحرب، لم تكتف الإمارات بالاحتماء بالولايات المتحدة، بل نفذت عشرات الضربات الجوية ضد إيران. ويرى مسؤولون إماراتيون أن تدفق السلاح والدعم الأمريكي طوال الحرب، رغم اختناقات سلاسل الإمداد، دليل على تعاظم قيمة الإمارات في العلاقة مع واشنطن.

قال مسؤول إماراتي إن أداء بلاده في الحرب وتعاونها وتنسيقها مع الولايات المتحدة رفع مكانتها وميزها عن غيرها، وأثبت أنها “كفؤة” وتعرف ما تفعل. هذه اللغة تكشف كيف ترى أبوظبي نفسها: ليست دولة تبحث عن تجنب الحرب، بل دولة تريد إثبات جدارتها من خلالها.

في الوقت نفسه، اقتربت الإمارات أكثر من إسرائيل، وانسحبت في مايو من منظمة أوبك بقيادة السعودية، في خطوة زادت من رضا ترامب المعروف بعدائه لتأثير أوبك على أسعار النفط. ونقل التحقيق عن مسؤول إماراتي قوله إن السعودية لم تعد “الغوريلا الضخمة” في الغرفة كما كانت عند زيارة ترامب للخليج العام الماضي.

هذه العبارة تكشف بعدًا آخر في السياسة الإماراتية: استخدام العلاقة مع واشنطن وإسرائيل ليس فقط لحماية نفسها من إيران، بل لتقليص ظل السعودية وتقديم أبوظبي كقوة خليجية بديلة أو منافسة. الإمارات لا تريد أن تكون تابعًا للرياض، بل شريكًا مباشرًا لواشنطن وتل أبيب، حتى لو كان ذلك على حساب التحالفات العربية التقليدية.

الخطر: حين تتحول الشراكة إلى تبعية

بعض الخبراء يحذرون من أن تركيز الإمارات على الروابط الأمريكية والإسرائيلية على حساب التحالفات العربية قد يرتد عليها. نقل التحقيق عن أندرو ليبر، خبير الشرق الأوسط في جامعة تولين، قوله إن الإمارات تخاطر بالتنازل عن استقلالها الاستراتيجي لتلك الدول.

هذه هي المفارقة الكبرى في قصة الإمارات داخل واشنطن. أبوظبي تقدم نفسها كدولة ذكية صنعت موقعها العالمي، لكنها في الحقيقة أصبحت أكثر ارتباطًا بقرارات لا تملك التحكم فيها. لا تستطيع منع حرب أمريكية إسرائيلية على إيران، لكنها تتحمل الرد. لا تستطيع التحكم في السياسة الأمريكية الداخلية، لكنها تضخ المال في دوائرها. لا تستطيع ضمان أن الكونغرس لن ينقلب عليها إذا تغيرت الأغلبية، لكنها تراهن على أن النفوذ واللوبي سيؤجلان الحساب.

وهناك بالفعل إشارات إلى أن هذا الحساب قد يتغير. فبعض الديمقراطيين يعتقدون أن الإمارات قد تواجه مساءلة جدية إذا استعاد الحزب السيطرة على الكونغرس في انتخابات التجديد النصفي المقبلة، بما قد يفتح الباب أمام تحقيقات في صفقاتها وعلاقاتها وتأثيرها في واشنطن.

النائبة الديمقراطية سارة جاكوبس قالت إن الولايات المتحدة يجب أن تُرى وهي تحاسب شركاءها وحلفاءها بالمعايير نفسها التي تحاسب بها الآخرين. وأضافت أن الإمارات شريك مهم للولايات المتحدة في المنطقة، لكن يجب أن تكون هناك صراحة بشأن الطريقة التي تقوض بها بعض أفعالها أولويات الولايات المتحدة وتسبب الضرر.

هذه الخاتمة تضع القصة كلها في موضعها الصحيح. الإمارات لم “تكسب واشنطن” لأنها نموذج أخلاقي أو سياسي ناجح، بل لأنها فهمت كيف تعمل العاصمة الأمريكية: المال يفتح الأبواب، إسرائيل تمنح الشرعية، اللوبي يصنع الرواية، مراكز الأبحاث تلمع الصورة، والاستثمار في التكنولوجيا يمنح نفوذًا داخل ملفات المستقبل.

لكن هذا النجاح يحمل داخله هشاشته. فالدولة التي صنعت صورتها كواحة استقرار أصبحت هدفًا في حرب إيران. والدولة التي قدمت نفسها كحليف ضد طهران ظهرت في العقوبات كمركز مهم لكيانات مرتبطة بالتمويل الإيراني. والدولة التي تسوق نفسها كشريك حداثي تواجه اتهامات بدعم ميليشيا ترتكب فظائع في السودان. والدولة التي تقول إنها بنت نفوذًا مستقلًا أصبحت أكثر اعتمادًا على واشنطن وتل أبيب.

قصة الإمارات في واشنطن، كما يكشفها تحقيق فايننشال تايمز، ليست قصة دولة صغيرة صنعت موقعها بعبقرية دبلوماسية فقط. إنها قصة دولة اشترت النفوذ، واستثمرت في مراكز القرار، وفتحت باب التطبيع مع إسرائيل، وربطت مالها بمستقبل التكنولوجيا الأمريكية، ثم استخدمت صفتها كحليف استراتيجي للإفلات من محاسبة كان يمكن أن تسقط على غيرها بسرعة.

النتيجة أن أبوظبي لم تعد دولة هامشية في واشنطن. لكنها أيضًا لم تعد مجرد شريك عادي. لقد أصبحت حالة اختبار خطيرة: إلى أي مدى يمكن لدولة غنية، صغيرة واستبدادية، أن تشتري موقعًا داخل السياسة الأمريكية، وأن تحول مصالحها الخاصة إلى ما يبدو وكأنه مصلحة أمريكية، وأن تفلت من الأسئلة الكبرى طالما ظلت مفيدة للبيت الأبيض، والبنتاغون، وإسرائيل؟