تكشف التطورات الأخيرة داخل الإمارات حالة من الارتباك السياسي والإعلامي في إدارة واحد من أكثر الملفات حساسية بالنسبة إلى أبوظبي: العلاقة مع إيران، في وقت تتعرض فيه القيادة الإماراتية لضغوط أمريكية متزايدة لتشديد الخناق على الشبكات المالية والتجارية المرتبطة بطهران، بينما تخشى في المقابل كلفة القطيعة الكاملة ورد الفعل الإيراني.

وبحسب تقرير برز الارتباك بصورة واضحة بعد إعلان وزارة الخارجية الإماراتية وقف جميع الأنشطة والتبادلات التجارية والمعاملات المالية مع إيران حتى إشعار آخر، بالتزامن مع استخدام الوزارة صياغات نفت فيها ما وصفته بـ«الادعاءات» المتعلقة بوضع العلاقة الاقتصادية مع طهران، ما خلق تضاربًا في فهم الرسالة الرسمية ومداها الفعلي.

أبوظبي بين القطع والخوف من القطع

المشكلة بالنسبة إلى الإمارات ليست في إصدار بيان واحد مرتبك فقط، بل في صعوبة اتخاذ قرار نهائي بشأن علاقة اقتصادية متشابكة بعمق مع إيران.

فبحسب التقرير، كانت الإمارات قبل الحرب أكبر مصدر لواردات إيران، واستحوذت عام 2024 على أكثر من 30% من إجمالي الواردات الإيرانية، بما يقارب 21 مليار دولار. كما أشار التقرير إلى أن شركات مقرها الإمارات، ولا سيما في دبي، تلقت نسبة كبيرة من تدفقات مالية مرتبطة بنشاط إيراني خضع للتدقيق الأمريكي.

وهذا يعني أن الحديث عن «وقف كامل» للعلاقات لا يتعلق بقرار سياسي يمكن تنفيذه ببيان، بل بشبكة واسعة من الشركات والحسابات والتحويلات والوسطاء والتجارة العابرة للحدود.

ترامب يضغط.. وبن زايد يناور

يشير التقرير إلى ضغوط أمريكية متواصلة على أبوظبي لتشديد الإجراءات ضد الشركات والكيانات المرتبطة بإيران والحرس الثوري، وسط قناعة لدى واشنطن بأن ضرب التدفقات المالية الإيرانية قد يكون أكثر تأثيرًا من الحصار البحري وحده.

لكن الإمارات لا تبدو راغبة في الذهاب إلى النهاية.

فالتعامل الرسمي مع قرار وقف المعاملات، بحسب التقرير، حمل إشارات إلى أنه تصعيد تدريجي وليس قطيعة نهائية، وهو ما يعكس رغبة أبوظبي في إرضاء واشنطن من جهة، مع الاحتفاظ بقنوات مفتوحة مع طهران من جهة أخرى.

وهنا يظهر المأزق الحقيقي: بن زايد يريد أن يبقى حليفًا وثيقًا لواشنطن وإسرائيل، لكنه لا يستطيع تحمل كلفة مواجهة اقتصادية وأمنية مفتوحة مع إيران.

الخوف من إيران يحد من خيارات أبوظبي

التناقض الإماراتي يصبح أكثر وضوحًا مع النظر إلى موقعها الجغرافي والاقتصادي.

فالإمارات دولة شديدة الانكشاف أمام أي تصعيد في الخليج؛ منشآتها النفطية، موانئها، مطاراتها، ومدنها الاقتصادية تقع داخل دائرة التأثر المباشر بأي مواجهة واسعة.

ولذلك، بينما تبني أبوظبي تحالفات أمنية وتكنولوجية عميقة مع إسرائيل والولايات المتحدة، فإنها في الوقت نفسه لا تستطيع التعامل مع إيران بمنطق القطيعة الكاملة.

وهذا يفسر لماذا يبدو خطابها أكثر تشددًا في بعض اللحظات، ثم أكثر حذرًا في التطبيق العملي.

إسرائيل لم تمنح بن زايد الحماية التي وعد بها

يربط التقرير هذا الارتباك أيضًا بخيار التطبيع والتحالف الوثيق مع إسرائيل.

فأبوظبي قدمت علاقتها بتل أبيب باعتبارها بوابة لتعزيز الأمن والنفوذ الإقليمي، لكن التطورات الأخيرة كشفت أن هذه العلاقة لم تمنح الإمارات موقعًا مركزيًا في إدارة الأزمة الخليجية، ولم تحمها من الضغوط الأمريكية أو المخاوف الإيرانية.

بل إن عواصم أخرى، مثل عُمان وقطر وباكستان والسعودية، أصبحت أكثر حضورًا في مسارات التهدئة والتفاوض، بينما تبدو أبوظبي خارج بعض الدوائر التي تصوغ الترتيبات الإقليمية الجديدة.

وهنا تظهر المفارقة: بن زايد استثمر سنوات في بناء صورة الإمارات باعتبارها اللاعب الأكثر نفوذًا واتصالًا بواشنطن وتل أبيب، لكن عند لحظة الأزمة، لم تتحول هذه العلاقات إلى موقع قيادة حقيقي.

السعودية تبني مسارًا مختلفًا

يأتي ذلك في وقت تتحرك فيه السعودية بعيدًا عن كثير من التصورات الإماراتية للمنطقة، عبر بناء شبكة علاقات وتحالفات خاصة بها مع تركيا وباكستان ودول أخرى.

ويشير التقرير إلى أن أبوظبي باتت خارج بعض الأطر الإقليمية الجديدة، بل وتنظر إليها بقلق لأنها تهدد المشروع الذي حاول بن زايد فرضه لسنوات بوصف الإمارات مركزًا لتوازنات الخليج.

وهذا يضيف ضغطًا آخر على القيادة الإماراتية: لم يعد التحدي فقط في كيفية التعامل مع إيران، بل في كيفية منع تراجع موقع أبوظبي داخل النظام الخليجي نفسه.

أزمة رواية قبل أن تكون أزمة قرار

المشكلة الأوضح في المشهد الحالي أن أبوظبي تريد تقديم نفسها في وقت واحد بثلاث صور يصعب الجمع بينها:

حليف شديد الالتصاق بواشنطن وإسرائيل،

شريك اقتصادي رئيسي لإيران،

ودولة مستقلة قادرة على قيادة التوازنات الخليجية.

لكن الحرب والتصعيد كشفا أن الجمع بين هذه الأدوار له حدود.

فحين تضغط واشنطن، تضطر الإمارات إلى إعلان إجراءات ضد إيران. وحين تخشى رد فعل طهران، تبدأ في ترك أبواب للتراجع. وحين تتعرض للانتقاد، تلجأ إلى الحديث عن «حملات إعلامية» بدل تقديم رواية واضحة ومتسقة.

بن زايد أمام مأزق صنعته سياساته

المشهد في النهاية يعكس أكثر من خطأ إعلامي أو بيان مرتبك.

إنه نتيجة سياسة حاولت الجمع بين خصومات وتحالفات متناقضة في وقت واحد: التطبيع مع إسرائيل، التجارة الواسعة مع إيران، الاعتماد على واشنطن، والمنافسة مع السعودية على قيادة الخليج.

ومع اشتداد الأزمة، بدأت حدود هذه السياسة تظهر بوضوح: أبوظبي لا تستطيع قطع إيران، ولا تستطيع تحدي واشنطن، ولا تستطيع الاعتماد على إسرائيل وحدها، ولا تستطيع فرض قيادتها على الخليج.

ولهذا فإن الأزمة الحقيقية ليست في البيان الذي تناقض مع نفسه، بل في قيادة تحاول إدارة أربعة اتجاهات متعارضة في وقت واحد، ثم تكتشف أن هامش المناورة الذي بدا واسعًا في زمن الاستقرار أصبح ضيقًا جدًا في زمن الحرب.