أظهر الجزء الثاني كيف توسع الجهاز الأمني الإماراتي من العمل الاستخباراتي المرتبط بمكافحة التهديدات إلى عمليات تجسس إلكتروني استهدفت معارضين ونشطاء وصحفيين ومحامين ومسؤولين أجانب، وكيف ارتبطت هذه البيئة باعتقال الأكاديمي البريطاني ماثيو هيدجز والحكم عليه بالسجن المؤبد، وبملاحقة أحمد منصور واختراق حياته الخاصة ثم سجنه عشر سنوات.
غير أن الكشف عن «مشروع ريفن» و«دارك ماتر» لم ينهِ المنظومة، بل دفعها إلى تغيير شكلها. ففي الوقت الذي كانت فيه العمليات القديمة تتعرض للتدقيق القانوني والإعلامي، كان طحنون بن زايد يعيد توزيع كوادرها وخبراتها داخل شركة جديدة تحمل لغة أكثر قبولاً لدى الأسواق والحكومات: الذكاء الاصطناعي والحوسبة السحابية وحماية البيانات.
حملت الشركة اسم «Group 42»، أو «G42»، في إشارة إلى الرقم الذي قدمه الحاسوب الخارق «ديب ثوت» باعتباره جواب سؤال الحياة والكون وكل شيء في رواية دوغلاس آدامز «دليل المسافر إلى المجرة». لم يكن اختيار الاسم مجرد دعابة ثقافية، بل عبّر عن رؤية تتعامل مع العالم باعتباره بيانات يمكن جمعها وتحليلها وتحويلها إلى قدرة على التنبؤ والتوجيه والسيطرة.
شركة تكنولوجيا خرجت من بيئة أمنية
تنفي «G42» أن تكون قد نشأت من عمليات التجسس الإلكتروني أو أنها تنفذ مراقبة غير قانونية، وتقول إنها تأسست شركة للذكاء الاصطناعي والبنية السحابية تعمل وفق القوانين واتفاقات حماية البيانات وأطر الأمن والامتثال. لكن الانتقالات البشرية بين «دارك ماتر» و«G42» تثير أسئلة لا تمحوها بيانات العلاقات العامة.
يتولى بينغ شياو منصب الرئيس التنفيذي لـ«G42»، بعدما كان يدير وحدة أساسية في «دارك ماتر». أما كريم صباغ، الرئيس السابق لـ«دارك ماتر»، فأصبح مسؤولاً عن إحدى الشركات الرئيسية التابعة للمجموعة. ويجلس طحنون على قمة الهيكل بوصفه رئيس الشركة وصاحب المشروع الذي جمع رأس المال السيادي بالخبرات الأمنية والطموح التكنولوجي.
أحد أول المنتجات العامة المرتبطة بهذه البيئة كان تطبيق المراسلة «تو توك»، الذي انتشر سريعاً في الإمارات وعدد من الدول. لكن تحقيقاً لـ«نيويورك تايمز» كشف أن التطبيق استُخدم لمراقبة المحادثات والتحركات والعلاقات والمواعيد والأصوات والصور الخاصة بالمستخدمين.
لم يكن «تو توك» برنامج اختراق يُزرع سراً في هاتف الضحية، بل خدمة ينزلها المستخدم بنفسه ويمنحها صلاحيات الوصول إلى جهات الاتصال والميكروفون والكاميرا والموقع. وهذا النموذج أكثر خطورة من بعض أدوات التجسس التقليدية، لأنه يحول المراقبة إلى منتج استهلاكي يتطوع الناس بإدخاله إلى حياتهم.
شبكة ذكاء لا تختلف عن بنية دولة
تقدم «G42» رؤيتها للذكاء الاصطناعي باعتباره بنية أساسية يجب أن تنتشر مثل شبكات الماء والكهرباء. وتستخدم تعبير «شبكة الذكاء» لوصف منظومة تربط البيانات ومراكز الحوسبة والطاقة والخوارزميات والخدمات الحكومية والتجارية.
لكن هذه الشبكة لا تنشأ داخل شركة خاصة عادية، بل داخل دولة يحظر نظامها الأحزاب والنقابات والإضرابات والاحتجاجات، ويعاقب انتقاد الحكام، ويرأس مستشار أمنها الوطني الشركة التي ستتعامل مع كميات هائلة من البيانات. كما خرجت من بيئة استخدمت التكنولوجيا نفسها لملاحقة معارضين داخل البلاد وخارجها.
تسوّق الشركة أدوات للحكومات والمؤسسات تشمل الدفاع الآني ضد التهديدات، وبناء ملفات للمشتبه بهم، ورسم العلاقات بين الأشخاص، وتحليل السلوك والتنبؤ به. وقد تكون لهذه التقنيات استخدامات مشروعة في مواجهة الجرائم والهجمات الإلكترونية، لكنها تمنح الأنظمة السلطوية أيضاً قدرة غير مسبوقة على تصنيف المواطنين ومراقبة شبكاتهم الاجتماعية وتوقع نشاطهم قبل وقوعه.
الخطر لا يكمن فقط في سرقة رسالة أو تشغيل ميكروفون، بل في بناء صورة كاملة عن الفرد: من يعرف، وما الذي يقرأه، وأين يتحرك، وما حالته النفسية، وما الأفكار التي يمكن أن يتأثر بها. وعندما تقع هذه القدرة في يد جهاز يعتبر المطالبة ببرلمان منتخب تهديداً أمنياً، يصبح الفاصل بين حماية الدولة وحماية الحاكم شبه معدوم.
مايكروسوفت تمنح الشرعية والتكنولوجيا
بدلاً من عزل «G42» بسبب جذورها وصلاتها الأمنية، اختارت مايكروسوفت الاستثمار فيها. ضخت الشركة الأمريكية 1.5 مليار دولار، وانضم رئيسها براد سميث إلى مجلس إدارة «G42»، واتفق الطرفان على توسيع خدمات الذكاء الاصطناعي والبنية السحابية في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا الوسطى.
لم تكن الصفقة تجارية خالصة، بل صيغت بالتشاور مع حكومتي الولايات المتحدة والإمارات، وتضمنت التزامات معلنة بالأمن الإلكتروني وحماية البيانات وضبط الصادرات ونزاهة الأعمال. وتقول «G42» إن الاتفاق الملزم مع مايكروسوفت يوفر ضمانات صارمة تمنع إساءة استخدام التكنولوجيا.
لكن عدداً من أعضاء الكونغرس الأمريكيين عبروا عن قلقهم من روابط «G42» السابقة بالصين، وعلاقاتها بشركة «هواوي» وشركات صينية مرتبطة بالمراقبة، ومن احتمال انتقال التكنولوجيا الأمريكية المتقدمة إلى جهات تستطيع استخدامها عسكرياً أو استخباراتياً. وطالبوا بتقييم استخباراتي قبل توسيع الصفقة.
كان على «G42» التخلص من معدات واستثمارات وعلاقات صينية حتى تطمئن واشنطن. ووفق تقارير لاحقة، أزالت الشركة تكنولوجيا صينية تقدر قيمتها بنحو 150 مليون دولار، وأعادت توجيه تحالفها الاستراتيجي نحو الولايات المتحدة. لم تتخل أبوظبي عن طموحها، بل بدلت المورد الذي يمنحها الرقائق والخبرة والنفوذ.
من سام ألتمان إلى إيلون ماسك
لم تقف شبكة طحنون عند مايكروسوفت، إذ أصبحت «G42» وصندوقها المتخصص في الذكاء الاصطناعي مستثمرين أو شركاء رئيسيين لشركات تشمل «أنثروبيك» و«إكس إيه آي» و«أوبن إيه آي». ووصف سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي»، طحنون بأنه صديق شخصي عزيز.
يملك مارك زوكربيرغ وسام ألتمان وإيلون ماسك نفوذاً هائلاً في عالم التكنولوجيا، لكن أياً منهم لا يشغل في الوقت نفسه منصب رئيس جهاز الأمن الوطني في دولة. أما طحنون فيدخل الصفقات وهو يحمل قوة المستثمر والحكومة والجهاز الأمني والسوق السيادية في وقت واحد.
يمثل ذلك عرضاً مغرياً لشركات تحتاج إلى مبالغ ضخمة من المال والطاقة والأراضي والبيانات. تستطيع الإمارات توفير التمويل السريع، ومحطات الكهرباء، والتراخيص، والأرض، والعمل في بيئة لا تعطل المشروعات فيها نقابات أو احتجاجات أو رقابة برلمانية مستقلة. وفي المقابل تحصل أبوظبي على التكنولوجيا والرقائق والمكانة داخل أهم صناعة في القرن الجديد.
خمسة غيغاواط للسيطرة على البنية التحتية الرقمية
يقود طحنون مشروع مجمع إماراتي للذكاء الاصطناعي كان مخططاً أن تبلغ قدرته الكهربائية خمسة غيغاواط، على مساحة تقارب عشرة أميال مربعة. وتفوق هذه القدرة بعض أكبر مراكز البيانات الحالية بعشرات أو مئات المرات، ووصف التحقيق الحجم المخطط بأنه قد يصل إلى 250 ضعف أكبر منشآت الحوسبة الفائقة القائمة اليوم.
بدأت المرحلة الأولى ضمن مشروع «ستارغيت الإمارات» بقيمة تقارب 30 مليار دولار لإنشاء مجمع حوسبة بقدرة غيغاواط واحد، مع استهداف تشغيل أول 200 ميغاواط. ويشارك في شبكة «ستارغيت» كل من «أوبن إيه آي» و«أوراكل» و«سوفت بنك»، بينما تقود «G42» المشروع الإماراتي.
كما تساعد المجموعة على تمويل توسع لمراكز البيانات داخل الولايات المتحدة تبلغ قيمته الإجمالية المعلنة نحو 500 مليار دولار، واشترت شركات تعمل في البناء والبنية الأساسية المرتبطة بهذه المنشآت. لا يسعى طحنون إلى تطوير تطبيق ناجح فحسب، بل إلى امتلاك الأرض والطاقة ومراكز البيانات والرقائق وصناديق التمويل التي تعتمد عليها التطبيقات الأخرى.
هذا هو معنى السيطرة على «العُقد» لا الأراضي. فمن يمتلك الميناء لا يحتاج إلى احتلال كل دولة تمر تجارتها عبره، ومن يمتلك مركز البيانات لا يحتاج إلى صنع كل برنامج يستخدم قدرته الحاسوبية. يستطيع التحكم في نقطة تمر عبرها أموال ومعلومات وخدمات أطراف كثيرة.
مؤسسة للأخلاق مقرها أبوظبي
أطلقت مايكروسوفت و«G42» معاً «مؤسسة مستقبل الذكاء الاصطناعي المسؤول»، وهي مؤسسة تقول إنها ستساهم في تشكيل التطوير الأخلاقي والاستخدام الآمن للأنظمة الجديدة، واختارت أبوظبي مقراً لها.
تبدو المفارقة واضحة: الدولة التي سجنت أحمد منصور بعد اختراق هاتفه وحياته الأسرية، واستخدمت شركاتها كوادر شاركت في عمليات مراقبة دولية، تريد الآن أن تصبح مركزاً عالمياً لتحديد أخلاقيات الذكاء الاصطناعي. والمسؤول الأمني الذي يقع تحت سلطته جهاز متهم بالاختفاء القسري والحبس الانفرادي والتجسس على المعارضين، يجلس في موقع يسمح له بالمشاركة في صياغة قواعد الثقة والخصوصية.
لا يعني ذلك أن كل منتج لـ«G42» أداة تجسس، أو أن كل شريك أمريكي يوافق على انتهاكات الإمارات. لكنه يعني أن شركات التكنولوجيا تقبل منح الشرعية والقدرة والبيانات لنظام لم يقدم ضمانات مستقلة لحماية مواطنيه، ثم تطلب من الجمهور الوثوق باتفاقات لا يستطيع الاطلاع على طريقة تنفيذها.
أحمد منصور بين السجن ومجمع البيانات
تختصر المسافة الجغرافية بين سجن الصدر ومجمع «G42» التناقض كله. ففي أحد الموقعين يقبع أحمد منصور داخل العزلة لأنه طالب بحقوق سياسية ومدنية محدودة، وفي الموقع الآخر تُبنى منشآت توصف بأنها مستقبل الذكاء الاصطناعي العالمي.
كان منصور من أوائل ضحايا أدوات المراقبة المتقدمة، وتكشف قضيته أن السؤال المتعلق بطحنون لا يبدأ من احتمال مستقبلي مجهول. فهناك سجل قائم يوضح كيف استُخدمت التكنولوجيا حين واجه النظام ناقداً سلمياً: أنفقت الأموال لاختراق أجهزته وأجهزة زوجته، ووصلت المراقبة إلى جهاز طفله، ثم اعتُقل وحوكم سراً وسُجن.
لا توجد أدلة منشورة تثبت أن طحنون سيستخدم مراكز «G42» لاختراق مستخدمي الذكاء الاصطناعي حول العالم، ويجب ألا يقدم هذا الاحتمال باعتباره واقعة حدثت بالفعل. لكن منح بنية تحتية بهذا الحجم لرئيس جهاز أمني ذي هذا السجل ليس مسألة حيادية، بل مخاطرة سياسية وأخلاقية تتطلب رقابة أقوى من الوعود التي تقدمها الشركات لنفسها.
يزداد الخطر لأن الذكاء الاصطناعي لم يعد مجرد مكان لحفظ الملفات. يستخدمه الناس للحديث عن صحتهم ومشكلاتهم النفسية وعلاقاتهم وأفكارهم السياسية، ويمنحونه معلومات أكثر حميمية مما منحوه لمحركات البحث أو شبكات التواصل. وتستطيع الجهة التي تتحكم في هذه الأنظمة التأثير ليس فقط في ما تعرفه عن المستخدم، بل في الإجابات التي يتلقاها وفي المعنى الذي يصل إليه.
أظهرت دراسات حديثة أن بعض أدوات الذكاء الاصطناعي تغير صياغة نصوص المستخدمين في قضايا سياسية حساسة مثل الإجهاض والمناخ، بما يمكن أن يؤثر في الرأي العام من دون أن يلاحظ الشخص ذلك. ولهذا قالت ميرة الحسين إنها تخشى رؤية طحنون للعالم، ووصفته بأنه أمير ألعاب فيديو يريد الضغط على زر يمحو كل التهديدات.
في الجزء الرابع والأخير، نكشف كيف اشترى طحنون طريقه إلى مركز القرار الأمريكي: حصة سرية بلغت 49 في المئة من شركة العملات الرقمية التابعة لعائلة ترامب، وصفقة قيمتها 500 مليون دولار تدفقت منها 187 مليوناً إلى كيانات مرتبطة بالعائلة، ثم استخدام عملة «وورلد ليبرتي» في صفقة أخرى بقيمة ملياري دولار، قبل أن تفتح إدارة ترامب الطريق أمام مئات الآلاف من رقائق الذكاء الاصطناعي المتقدمة.