بينما كانت أبوظبي تتحدث عن المشاركة في جهد عسكري تقوده واشنطن لتأمين مضيق هرمز، كانت دبي تتحمل كلفة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في حركة طائراتها وإيرادات شركاتها. وبعد ثمانية أشهر، تكشف الأرقام الرسمية لمجموعة الإمارات عن تراجع أرباحها بنسبة 66%، وانخفاض أعداد المسافرين بنسبة 22%، فيما خففت مكاسب التحوط من الوقود ضربة التكاليف المرتفعة. فهل بدأت حسابات محمد بن زايد تتغير بعدما وصلت فاتورة الحرب إلى النموذج الاقتصادي الذي يفترض أن سياسته تحميه؟
في الخامس من نوفمبر 2026، نشرت مجموعة الإمارات نتائجها المالية للنصف الأول من العام المالي، كاشفة عن تراجع أرباحها قبل الضريبة بنسبة 66%، من نحو 12.2 مليار درهم إلى 4.1 مليارات. وفي السادس من نوفمبر، تلقى وزير الخارجية الإماراتي عبدالله بن زايد اتصالًا من نظيره الإيراني عباس عراقجي، أكد خلاله أهمية خفض التصعيد ودفع المسارات الدبلوماسية لحماية أمن المنطقة واستقرارها.
هذا التزامن يضع الدبلوماسية الإماراتية أمام فاتورة اقتصادية واضحة: في الوقت الذي تبحث فيه أبوظبي عن تهدئة مع طهران، تكشف دبي حجم ما تخسره من استمرار المواجهة. ومن هنا يبرز السؤال السياسي: هل أصبحت المصالحة مع إيران ضرورة لحماية نموذج دبي، بعدما كانت خيارًا تديره أبوظبي ضمن حساباتها الإقليمية؟
فالأرقام التي أعلنتها مجموعة الإمارات ترسم صورة ضغط يطال أكثر من بند في الحسابات. تراجعت أرباح شركة طيران الإمارات بعد الضريبة إلى 3.3 مليارات درهم، بانخفاض 66%، بينما انخفضت إيراداتها بنسبة 13% إلى 56.9 مليار درهم. وتراجع عدد ركابها بنسبة 22% إلى 21.8 مليون مسافر خلال الأشهر الستة المنتهية في سبتمبر.
وفي قطاع الطيران، يمثل فقدان الركاب ضربة لشبكة اقتصادية كاملة تعتمد على استمرار تدفق المسافرين عبر مطارات دبي. فالسعة المقعدية للشركة تراجعت بنسبة 17%، وانخفض معامل إشغال المقاعد من 79.5% إلى 72%. أي إن الشركة قلصت المقاعد المعروضة، ومع ذلك أصبحت الطائرات التي واصلت تشغيلها أقل امتلاءً.
وهذا مؤشر دال على طبيعة الأزمة. تستطيع شركات الطيران تقليص رحلاتها لتخفيف النفقات، لكن استعادة الطلب تحتاج إلى عودة الثقة في انتظام السفر وأمان مساراته. ومع إغلاق المجالات الجوية وتحذيرات السفر ومخاطر التصعيد العسكري، تصبح المنافسة على المسافرين مرتبطة بالجغرافيا الأمنية بقدر ارتباطها بالأسعار وجودة الخدمة.
وامتدت آثار التراجع إلى خدمات المجموعة الأخرى. فقد انخفضت إيرادات خدمات تموين الرحلات المقدمة للعملاء الخارجيين بنسبة 51% إلى 273 مليون درهم، وتراجع عدد الوجبات المقدمة لهم بنسبة 41% إلى 4.5 ملايين وجبة، نتيجة انكماش حركة الطيران في مطار دبي. كما سجلت أنشطة التجزئة والترفيه التابعة للمجموعة انخفاضًا في الإيرادات بنسبة 13%، متأثرة بتراجع الحركة السياحية.
هكذا تنتقل الحرب من إغلاق مجال جوي أو تحذير سفر إلى مقاعد الطائرات، ثم المطابخ والمطاعم والمتاجر والخدمات التي تعيش على حركة المسافرين. وبالنسبة إلى دبي، التي بنت جانبًا مهمًا من مكانتها العالمية على كونها نقطة عبور آمنة بين الشرق والغرب، فإن هذا الاضطراب يمس أحد أهم مصادر قوتها الاقتصادية.
لكن الرقم الأكثر إثارة في النتائج ظهر في بند الوقود. فبحسب البيانات الرسمية، ارتفعت تكاليفه قبل احتساب مكاسب التحوط بنسبة 60%، رغم انخفاض الكمية المستخدمة بنسبة 12% نتيجة تقليص العمليات. واستطاعت الشركة احتواء الزيادة الصافية في تكاليف الوقود عند 13% بفضل مكاسب بلغت 7.1 مليارات درهم من استراتيجية إدارة مخاطر أسعاره.
تتجاوز هذه المكاسب ضعفي صافي أرباح شركة طيران الإمارات البالغ 3.3 مليارات درهم. وهذه المقارنة توضح حجم الحماية التي وفرتها أدوات إدارة المخاطر لنتائج الشركة، ومدى الضغط الذي كان ارتفاع الوقود سيفرضه على الحسابات دونها.
لقد خففت العقود المالية ضربة السوق، لكن استدامة نموذج الطيران تحتاج إلى استقرار التشغيل والطلب والتكاليف. فإذا طال الاضطراب، أصبحت الحماية مرتبطة بآجال العقود والأسعار وشروط التعاقد، بينما تظل الشركة مضطرة إلى نقل ركابها وتشغيل أسطولها في بيئة أغلى وأكثر تقلبًا.
وبحسب قراءة رويترز للنتائج، استعادت الشركة تشغيل 91% من شبكة وجهاتها بحلول سبتمبر، لكنها ظلت تواجه آثار إغلاق المجالات الجوية وتحذيرات السفر وارتفاع أسعار الوقود. وبهذا، فإن استعادة الوجهات لم تُعد حركة الركاب والإيرادات تلقائيًا إلى مستوياتها السابقة.
وفي الوقت نفسه، تراجع الاحتياطي النقدي لمجموعة الإمارات من 59.6 مليار درهم في نهاية مارس إلى 54.1 مليارًا في نهاية سبتمبر، بانخفاض 5.5 مليارات خلال ستة أشهر شهدت كذلك مدفوعات لشراء الطائرات وخدمة الديون وتوزيع الأرباح. ويضيف تراجع السيولة إلى الصورة المالية بُعدًا آخر: استمرار الاستثمار والالتزامات في فترة انخفضت فيها قدرة التشغيل على توليد الأرباح بالمستويات السابقة.
هذه هي الأرضية الاقتصادية التي عاد فوقها الخطاب الإماراتي إلى تمجيد الدبلوماسية. ففي السابع عشر من مارس، عندما كانت الحرب الأميركية الإسرائيلية ضد إيران في أسابيعها الأولى، تحدث أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لمحمد بن زايد، عن استعداد الإمارات المحتمل للمشاركة في جهد دولي تقوده الولايات المتحدة لتأمين الملاحة في مضيق هرمز.
وخلال فعالية نظمها مجلس العلاقات الخارجية الأميركي، قدم قرقاش حماية الملاحة وتدفق الطاقة باعتبارهما مسؤولية دولية مشتركة، وتحدث عن ترتيبات تحد من قدرة إيران على استخدام برامجها النووية والصاروخية والمسيّرات لتهديد المنطقة. وتوقع، وفق تقرير رويترز، أن تؤدي الحرب إلى تعميق العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل وتعزيز الدور الأميركي في المنطقة.
كانت تلك قراءة أمنية ترى في المواجهة مدخلًا لإعادة ترتيب موازين القوى وتعزيز مكانة واشنطن وحلفائها. ومن هذا المنظور، يمكن فهم رهان أبوظبي على أن إضعاف إيران وتعميق الشراكة مع الولايات المتحدة وإسرائيل سيمنحانها وضعًا أمنيًا أفضل ونفوذًا إقليميًا أكبر.
بعد نحو ثمانية أشهر، تغيرت اللغة. ففي مطلع نوفمبر، وخلال حوار المنامة، حذر قرقاش من أن الحلول العسكرية ستزيد المشهد تعقيدًا، ولن توفر مخرجًا سريعًا للأزمة، مؤكدًا أولوية الأدوات السياسية والدبلوماسية، ومعولًا على جهود الوساطة القطرية لمنع تجدد المواجهة. ثم جاء اتصال عبدالله بن زايد وعراقجي ليؤكد الاتجاه نفسه.
بين مارس ونوفمبر، أصبحت كلفة الحرب أكثر وضوحًا في دفاتر الشركات. ففي مارس، كان الحديث يدور حول ترتيبات الأمن بعد المواجهة؛ وفي نوفمبر، باتت القيادة أمام ركاب أقل، وطائرات أقل امتلاءً، ووقود أعلى كلفة، وتحذيرات سفر تؤثر في قرارات المسافرين. ومن هنا تأتي الفرضية الأشد تأثيرًا: ماذا لو كانت العودة إلى الدبلوماسية استجابة لضغط الاقتصاد على الخيارات الأمنية؟
تظهر هنا مفارقة في بنية الدولة الإماراتية. فأبوظبي مركز القرار السياسي والأمني، بينما تمثل دبي الواجهة الاقتصادية الأكثر ارتباطًا بحركة التجارة والسفر والاستثمار العالمي. وتُصاغ التقديرات الأمنية حول إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، ثم يظهر جانب من تكلفتها في المطارات والشركات والأسواق التي يقوم نجاحها على الاستقرار.
وتكفي نتائج المجموعة التي يرأسها أحمد بن سعيد آل مكتوم لتجسيد هذه الفجوة. فكلما طال الاضطراب، ازدادت صعوبة الحفاظ على نموذج يعتمد على إقناع العالم بأن دبي مكان آمن للعبور والعمل والاستثمار. تستطيع الأرقام أن تجعل كلفة الخيارات السياسية حاضرة داخل الدولة، وأن تفرض على القرار الأمني حسابات لا تظهر في البيانات الدبلوماسية.
ومن هذه الزاوية، يمكن تصور سؤال مختلف داخل دوائر القرار: كيف يتوقف القتال قبل أن يتحول تراجع الركاب إلى تغير طويل الأمد في مسارات السفر؟ فالمسافر الذي يعدل رحلته بسبب اضطراب أمني قد يعود مع الاستقرار، أما إذا اعتاد استخدام إسطنبول أو سنغافورة أو مركز عبور آخر، فإن استعادته تصبح مهمة تنافسية أطول وأغلى.
هذا سيناريو اقتصادي يفسر خطورة استمرار الحرب على موقع دبي داخل شبكة الطيران العالمية. فقد استثمرت الإمارة في المطارات والأساطيل والخدمات اللوجستية، وحولت موقعها الجغرافي إلى ميزة تجارية. واستمرار هذه الميزة يحتاج إلى مجال جوي منتظم وثقة لدى المسافرين وشركات التأمين في إمكانية تسيير الرحلات دون اضطرابات عسكرية.
يستطيع محمد بن زايد الاستثمار في منظومات دفاع جوي جديدة، وتعزيز التعاون العسكري مع واشنطن، وتوسيع الشراكات الأمنية مع إسرائيل. لكن استعادة ثقة المسافر والسائح وشركات التأمين تتوقف على تراجع المخاطر الفعلية. وكل جولة تصعيد جديدة تعيد فتح السؤال عن أمان المطارات والمجالات الجوية وسلامة الجداول والتكاليف.
وهنا تظهر حدود الرهان على التحالفات العسكرية لحماية نموذج اقتصادي شديد الاعتماد على الانفتاح. فقد توفر تلك التحالفات وسائل للردع والدفاع، بينما تفرض الحرب التي يخوضها الحلفاء أنفسهم أعباء على التشغيل والتجارة والسفر. والنتيجة أن الدولة قد تدفع ثمن المواجهة اقتصاديًا، حتى مع استمرار قدرتها على حماية منشآتها عسكريًا.
إذا كانت الشراكة مع واشنطن وتل أبيب تُقدَّم باعتبارها ضمانة للأمن، فإن نتائج مجموعة الإمارات تطرح معيارًا آخر لقياس حصيلتها: مقدار الاستقرار الذي يلمسه الاقتصاد. فنجاح الدفاعات في اعتراض تهديد لا يعيد وحده مسافرًا غيّر وجهته، ولا يلغي تحذير سفر، ولا يخفض كلفة الوقود والتأمين.
لهذا قد تصبح الكلفة الاقتصادية عاملًا أكثر حضورًا في تحديد حدود التصعيد المقبولة لدى القيادة الإماراتية. فالمصالح التي تحتاج إلى أسواق ومطارات مفتوحة تدفع نحو تهدئة مستمرة، بينما يهدد استمرار الرهان العسكري بإعادة إنتاج الاضطراب نفسه. وفي هذا السياق، يكتسب التواصل مع طهران أهمية تتصل بحماية شروط النشاط الاقتصادي داخل الإمارات.
وقد تكون هذه هي المراجعة التي تفرضها الأشهر الماضية: حماية اقتصاد دبي تستدعي منع تحول الخليج إلى ساحة حرب متكررة. فكلما تأخر الاستقرار، ازدادت كلفة الحفاظ على موقع الإمارة في التجارة والطيران والسياحة، واتسعت المسافة بين وعود الترتيبات الأمنية الجديدة وما تتحمله الشركات في الحاضر.
وحين تحدث قرقاش في مارس عن احتمال المشاركة في جهد أميركي لتأمين هرمز، كانت الحسابات تُكتب بلغة القوة والتحالفات. وحين عاد في نوفمبر ليؤكد أن الحل العسكري لا يوفر مخرجًا، كانت الفاتورة قد ظهرت في دفاتر دبي: ثلثا أرباح المجموعة اختفيا، ونحو خُمس ركاب شركة الطيران رحلوا، و7.1 مليارات درهم من مكاسب التحوط خففت ضربة الوقود.
ماذا لو كان الذي تغير فعلًا هو أن الحرب الأميركية الإسرائيلية بدأت تهدد أحد أهم مصادر القوة الاقتصادية للإمارات؟ عندها تصبح الدبلوماسية مع إيران استجابة لحسابات تفرضها الطائرات والمطارات والشركات التي حملت اسم الدولة إلى العالم. وقد يعد حلفاء أبوظبي بترتيبات أمنية جديدة بعد الحرب، لكن مستقبل دبي يحتاج أولًا إلى مسافرين يثقون بأن الحرب لن تعطل رحلتهم التالية.