بينما تتجه الأنظار إلى انعكاسات التوتر في مضيق هرمز على أسواق النفط العالمية، تواجه دول أفريقية أزمة أقل ضجيجًا وأكثر قسوة، إذ يهدد أي اضطراب في أحد أهم الممرات البحرية في العالم برفع أسعار الوقود والغذاء والنقل، وإثقال اقتصادات تعاني أصلًا من الديون والتضخم وضعف العملات.
وتشير تقديرات إلى أن نحو 20% من النفط والغاز الذي تستورده أفريقيا يمر عبر مضيق هرمز، ما يجعل القارة من أكثر المناطق عرضة لارتدادات أي تصعيد عسكري أو أمني في الخليج، رغم أنها ليست طرفًا فيه. (aljazeera.net)
لماذا يشكل هرمز شريانًا حيويًا؟
يمر عبر مضيق هرمز جزء كبير من صادرات النفط والغاز القادمة من السعودية والإمارات وقطر والكويت والعراق وإيران، ولذلك فإن أي تهديد للملاحة ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة والشحن والتأمين.
وبالنسبة للدول الأفريقية المستوردة للطاقة، فإن الأزمة لا تبدأ عند المضيق، بل عند محطات الوقود والمخابز وأسواق الغذاء، حيث ترتفع تكلفة النقل والإنتاج والاستيراد دفعة واحدة.
الوقود أولًا.. ثم كل شيء
ارتفاع أسعار النفط لا يقتصر على فاتورة الطاقة، بل يمتد إلى معظم القطاعات الاقتصادية.
فزيادة أسعار الوقود تعني:
- ارتفاع تكاليف نقل السلع.
- زيادة أسعار الغذاء المستورد.
- ارتفاع تكلفة الإنتاج الصناعي والزراعي.
- اتساع عجز الموازنات الحكومية بسبب دعم الطاقة.
- زيادة معدلات التضخم وانخفاض القوة الشرائية للمواطنين.
ولهذا فإن الدول الأفريقية محدودة الدخل تكون الأكثر تضررًا، لأنها تستورد الطاقة بالدولار، بينما تعاني عملاتها المحلية أصلًا من الضغوط.
الدول الأكثر تعرضًا للخطر
بحسب التقرير، تبدو دول مثل كينيا وإثيوبيا وتنزانيا وأوغندا ورواندا أكثر حساسية لأي اضطراب طويل في الإمدادات، لاعتمادها الكبير على النفط المستورد القادم عبر هذا المسار البحري.
كما تواجه الدول الفقيرة التي تعتمد على المساعدات أو القروض الدولية هامشًا محدودًا للتعامل مع أي صدمة جديدة في الأسعار، بعد سنوات من آثار جائحة كورونا والحرب في أوكرانيا والتضخم العالمي. (aljazeera.net)
الأزمة ليست نفطًا فقط
لا تتوقف الخسائر عند أسعار الخام، فمع ارتفاع المخاطر الأمنية ترتفع أيضًا أقساط التأمين البحري وأجور الشحن، وهو ما يزيد تكلفة الواردات حتى لو لم تتوقف حركة السفن بالكامل.
وتعني هذه الزيادات أن المستهلك الأفريقي سيدفع ثمن الأزمة مرتين:
- مرة عبر الوقود.
- ومرة عبر ارتفاع أسعار كل السلع التي تصل بحرًا.
هل تستفيد الدول الأفريقية المنتجة للنفط؟
قد يبدو للوهلة الأولى أن ارتفاع الأسعار يصب في مصلحة المنتجين مثل نيجيريا وأنغولا وليبيا، لكن الصورة أكثر تعقيدًا.
فارتفاع أسعار النفط يزيد الإيرادات الحكومية، لكنه يرفع أيضًا تكاليف الاستيراد ويؤثر في التضخم وأسعار السلع، كما أن ضعف البنية التحتية والتحديات الأمنية يمنع كثيرًا من الدول من استغلال الأسعار المرتفعة بصورة كاملة.
لذلك فإن المكاسب المحتملة قد تتآكل سريعًا إذا طال أمد الأزمة أو تراجعت التجارة العالمية.
أفريقيا تدفع… والقرار في مكان آخر
تكشف أزمة هرمز هشاشة الاقتصادات الأفريقية أمام الصدمات الخارجية.
فالقارة لا تتحكم في مسار الصراع في الخليج، ولا في أسعار التأمين البحري، ولا في قرارات أسواق الطاقة العالمية، لكنها تجد نفسها مطالبة بدفع الفاتورة كاملة عندما تتعطل إحدى أهم الممرات البحرية في العالم.
ولهذا تبدو أزمة هرمز مثالًا جديدًا على أن أمن الطاقة لم يعد قضية إقليمية تخص دول الخليج وحدها، بل أصبح عاملًا يحدد أسعار الغذاء والنقل والاستقرار الاقتصادي في قارات بأكملها.
وفي كل مرة يشتعل فيها التوتر حول مضيق هرمز، لا يقتصر أثره على ناقلات النفط العابرة للمياه، بل يمتد إلى موائد ملايين الأفارقة. فالدول الفقيرة لا تملك أساطيل بحرية تحمي طرق التجارة، ولا احتياطيات مالية تمتص الصدمات، ولذلك تكون دائمًا أول من يدفع ثمن أزمات لم يشارك في صنعها، وآخر من يتعافى منها.