بعد ساعات من النفي الرسمي وغير الرسمي، ومحاولات تقديم ما جرى في ميناء دمياط باعتباره مجرد حريق عارض داخل سفينة «متهالكة»، أقرت الحكومة المصرية بأن الحادث نجم عن هجوم بطائرات مسيّرة استهدف سفينتين للغاز داخل الميناء.

وجاء الاعتراف الحكومي ليهدم الرواية التي روّجتها وزارة البترول وأبواق نظام السيسي طوال مساء الأربعاء، حين تجاهلت الوزارة الحديث عن أي هجوم، واكتفت بالإعلان عن اندلاع حريق في سفينة للتغييز وأخرى للتخزين والسيطرة عليه وفق خطط الطوارئ، من دون توضيح سببه.

لم تكن المشكلة أن التحقيقات احتاجت إلى وقت للوصول إلى نتيجة؛ فهذا أمر مفهوم في الحوادث الأمنية المعقدة. المشكلة أن إعلام النظام لم ينتظر التحقيق أصلًا، بل انطلق سريعًا لنفي رواية الهجوم والسخرية منها، واتهام من نقلها بترويج الشائعات، قبل أن تعود الحكومة نفسها في اليوم التالي لتتبناها.

الرواية الأجنبية سبقت الدولة المصرية

منذ الساعات الأولى للحادث، قالت شركة «أمبري» البريطانية للأمن البحري إن طائرة مسيّرة أصابت منشأة عائمة لتخزين الغاز في ميناء دمياط، بينما أكدت مصادر تجارية وأمنية لرويترز أن الضربة أصابت سفينة Energos Winter، وتسببت في انتقال الحريق إلى سفينة أخرى هي Gaslog Salem.

كما تحققت رويترز من موقع المقاطع المصورة وهوية السفينتين عبر مقارنة بنية الميناء وخزانات التخزين وبيانات تتبع السفن بالصور الأرشيفية ولقطات الأقمار الصناعية.

وفي المقابل، لم تقدم الجهات المصرية خلال الساعات الأولى تفسيرًا بديلًا مدعومًا بتحقيق فني، بل اكتفت وزارة البترول بإعلان وقوع حريق والسيطرة عليه، من دون ذكر المقذوف أو المسيّرة أو طبيعة الانفجار.

هنا لم يكن الإعلام الأجنبي يطارد «إشاعة»، بل كان يستند إلى شركات أمن بحري ومصادر ملاحية وصور وبيانات سفن، بينما كان الإعلام المصري يطارد من يسأل.

أبواق السيسي تحسم التحقيق من الاستوديو

بمجرد انتشار أنباء الهجوم، خرجت منصات وشخصيات محسوبة على النظام لتؤكد أنه «لا صحة» لاستهداف الميناء بمسيّرة، وأن ما وقع مجرد حريق في سفينة قديمة أو متهالكة.

وذهب بعض المعلقين إلى تقديم روايات تفصيلية عن حريق في غرفة المحركات، رغم أن التحقيق الرسمي لم يكن قد أعلن نتيجة، ولم تكن الجهات المختصة قد نشرت تقريرًا فنيًا يثبت هذه الرواية.

المفارقة أن أبواق النظام بدت أكثر يقينًا من وزارة البترول نفسها؛ فالوزارة لم تقل صراحة إن الحادث عرضي، لكنها أخفت سببه، بينما تطوع الإعلاميون والخبراء الموالون للسلطة بتحويل الغموض الرسمي إلى نفي قاطع.

وفي أقل من يوم، انتقلت الرواية من:

«سفينة متهالكة اشتعلت فيها النيران»

إلى:

«هجوم بمسيّرات استهدف سفينتين داخل ميناء مصري».

هذا ليس تحديثًا بسيطًا في التفاصيل، بل انقلاب كامل في طبيعة الحادث: من عطل فني محدود إلى اختراق أمني واستهداف لمنشأة طاقة استراتيجية.

لماذا أخفت وزارة البترول سبب الحادث؟

يمكن تفهم أن تمتنع جهة رسمية مؤقتًا عن تحديد السبب إلى حين انتهاء التحقيقات، لكن بيان وزارة البترول لم يقل إن السبب قيد الفحص فحسب؛ بل صيغ بطريقة اختزلت الحدث في «حريق» جرى التعامل معه، ودعت وسائل الإعلام إلى الاعتماد على البيانات الرسمية، في وقت كانت تلك البيانات تحجب أهم معلومة في الواقعة.

والسؤال هنا ليس فقط: لماذا لم تعلن الوزارة منذ البداية الاشتباه في هجوم؟

بل أيضًا:

  • من سمح للإعلاميين بنفي الهجوم قبل انتهاء التحقيق؟
  • على أي معلومات استند من قال إن السفينة «متهالكة»؟
  • هل كانت أجهزة الدولة تجهل حقيقة ما حدث، أم كانت تعرف واختارت إدارة الخبر تدريجيًا؟
  • لماذا اضطر المصريون إلى انتظار شركات أمن بحري أجنبية ووكالة دولية لمعرفة ما جرى داخل ميناء مصري؟

هذه الأسئلة تصبح أكثر خطورة لأن الحادث لم يقع في مخزن هامشي، بل داخل منشأة مرتبطة بتخزين الغاز وتغييزه، وفي ميناء يمثل جزءًا من البنية التحتية للطاقة والأمن القومي المصري.

الحكومة لم تصحح روايتها فقط.. بل أسقطت رواية إعلامها

الإقرار اللاحق بالهجوم يضع أبواق السيسي أمام مأزق لا يمكن تجاوزه بالحديث عن «تطور المعلومات».

فالإعلام المهني كان سيقول منذ البداية: هناك حريق، وتقارير أمنية تتحدث عن هجوم بمسيّرة، والتحقيقات جارية.

لكن إعلام النظام اختار وظيفة مختلفة: نفي الرواية المقلقة قبل التحقق منها، حماية صورة الدولة، مهاجمة الناقلين، ثم الصمت عندما تعتمد الحكومة الرواية نفسها.

وهذه ليست الواقعة الأولى التي يعمل فيها الإعلام المصري بهذه الطريقة. فبدلًا من جمع المعلومات ومساءلة المسؤولين، يتحول إلى خط دفاع أول عن السلطة؛ ينفي ما يحرجها، ويسخر ممن يسأل، ثم يعيد صياغة كلامه عندما تتغير التعليمات.

المشكلة ليست أن الإعلام أخطأ. الخطأ وارد. المشكلة أنه لم يكن يبحث عن الحقيقة أصلًا، بل عن الرواية الأقل إحراجًا للنظام.

اعتراف متأخر يكشف خللًا أمنيًا وإعلاميًا

إذا كان الهجوم قد نُفذ فعلًا بمسيّرتين، فهذا يعني أن الواقعة تتجاوز مجرد حريق تمت السيطرة عليه.

نحن أمام طائرات مسيّرة استطاعت الوصول إلى ميناء مصري على البحر المتوسط، واستهداف سفن مرتبطة بالغاز، وإشعال حريق امتد بين أكثر من وحدة بحرية، من دون إعلان مسبق عن اعتراضها أو تحديد نقطة انطلاقها أو الجهة المسؤولة عنها.

وتظل أسئلة أساسية بلا إجابة:

من أين انطلقت المسيّرات؟ وكيف اخترقت المجال المحيط بالميناء؟ وهل رُصدت قبل وصولها؟ ولماذا استُهدفت السفينتان تحديدًا؟ وهل كان الهدف مرتبطًا بملكيتهما أو بطبيعة نشاطهما أو بالصراع الإقليمي المتصاعد؟

إعلان السيطرة على النيران لا يجيب عن أي من ذلك، كما أن عدم وقوع خسائر بشرية لا يلغي وقوع اختراق أمني خطير.

دولة تخشى الخبر أكثر من الحادث

تكشف واقعة دمياط عن أزمة أعمق في طريقة إدارة نظام السيسي للمعلومات. فبدل أن تعتبر الدولة المواطن صاحب حق في معرفة ما يهدد الموانئ ومنشآت الطاقة، تتعامل معه باعتباره طرفًا يجب تهدئته أو تضليله إلى أن تُصاغ الرواية المناسبة.

ولهذا بدت الأولوية في الساعات الأولى ليست تفسير الانفجار أو تحديد مصدر الهجوم، بل نفي ما نشرته وسائل الإعلام الأجنبية والحفاظ على صورة «الأمور تحت السيطرة».

لكن السيطرة على الحريق لا تعني السيطرة على الحقيقة.

فالرواية التي حاولت الأبواق دفنها مساءً، عادت الحكومة لتعلنها صباحًا، لتثبت مرة أخرى أن الخطر ليس فقط في وصول المسيّرات إلى ميناء دمياط، بل في وجود منظومة إعلامية ترى أن حماية النظام أهم من إبلاغ المصريين بما يحدث داخل بلادهم.

في أقل من 24 ساعة، تحولت «الشائعة» إلى بيان حكومي، وتحول مروّجو الخبر الكاذب في نظر أبواق السيسي إلى أصحاب الرواية الأقرب للحقيقة. أما الذين نفوا وسخروا واتهموا الناس بإثارة الذعر، فلن يعتذروا؛ لأن وظيفتهم لم تكن يومًا نقل الحقيقة، بل تأجيلها حتى تسمح بها السلطة.