مع كل اغتيال لقائد مقاوم، تتردد أصداء الفقد بين جدران الذاكرة الفلسطينية التي لا تنسى رموزها. لكن استشهاد القائد في كتائب القسام، حكم العيسى، المعروف بـ”أبو عمر السوري”، لم يكن مجرد رقم جديد في قائمة الاغتيالات، بل جاء ليُعيد للواجهة سيرة رجلٍ أفنى حياته لتأسيس بنية قتالية علمية للمقاومة، وترك بصمات راسخة في جدار الصراع مع الاحتلال، وهو القادم من سوريا محمّلًا بإرث النضال والخبرة.

أبو عمر السوري.. القائد الصامت الذي بنى جيوشًا في الظل

وُلد الشهيد حكم العيسى في سوريا، لكنه لم يكن غريبًا عن فلسطين، فقد حملها في قلبه حتى قرر الالتحاق بركب المقاومة في غزة عام 2005، في مرحلة مفصلية كانت كتائب القسام تتطلع فيها إلى تجاوز حالة المقاومة الشعبية العفوية إلى عمل عسكري منظم ومتطور. ومنذ اللحظة الأولى لوصوله، انخرط “أبو عمر السوري” في العمل المؤسسي داخل القسام، واضعًا نصب عينيه بناء مؤسسة عسكرية تُخرّج المقاتلين كما تخرّج الجامعات المتخصصين.

ساهم العيسى في تأسيس “أكاديمية كتائب القسام” التي باتت لاحقًا صرحًا تدريبيًا متقدمًا للمقاومة. بفضل خبرته الفنية والعسكرية، أعاد هيكلة وحدات التدريب، وطور مناهجها، وأدخل منظومات من المحاكاة والتدريب النوعي لم تكن مألوفة في بيئة الحصار والإمكانيات المحدودة. وقد شهد له مقاتلو القسام بأنه كان “مدرسة متنقلة”، يجمع بين الانضباط العسكري، والتأصيل العقائدي، والتخطيط بعيد المدى.

لم يكن العيسى قائدًا ميدانيًا فحسب، بل كان عقلًا هندسيًا وتنظيميًا ساهم في تطوير البنية التحتية للقسام، وربط العمل العسكري بالبحث العلمي، فأنشأ أقسامًا للتخصصات الفنية والهندسية، وأسهم في تخريج كوادر قادرة على التعامل مع مختلف أشكال الحروب والتحديات التقنية.

الاحتلال يستهدف رمزًا استراتيجيا في توقيت حساس

العملية التي اغتالت “أبو عمر السوري” في حي الصبرة بمدينة غزة لم تكن عشوائية، بل جاءت بعد أشهر طويلة من الرصد والمتابعة، وهو ما يُظهر إدراك الاحتلال لحجم التأثير الذي يمثله هذا القائد في البنية العسكرية للمقاومة. جيش الاحتلال سارع إلى تبني العملية، زاعمًا أنه استهدف “مسؤولًا عسكريًا كبيرًا في القسام”، دون أن يكشف حقيقة أنه استهدف أيضًا زوجته وحفيده، في جريمة تُعيد التذكير بطبيعة الاحتلال الذي لا يفرّق بين مقاتل ومدني.

توقيت الاغتيال يأتي في ظل تعثر الاحتلال في الميدان، وتكثيف المقاومة من عملياتها النوعية، وهو ما يُرجح أن الاحتلال يحاول استهداف العقول القادرة على إنتاج التكتيك المقاوم وتدريب الأجيال الجديدة، بهدف كسر سلاسل البناء والتطوير داخل المقاومة. اغتيال “أبو عمر” لا يخرج عن إطار هذه المحاولة لإضعاف الجبهة الداخلية للمقاومة عبر إزاحة “العقول التراكمية” التي تمتلك مفاتيح التحوّل النوعي.

تفاعل واسع.. وسيرة تُلهب ذاكرة المقاومة

على مواقع التواصل الاجتماعي، تحوّل اسم “أبو عمر السوري” إلى وسم واسع التفاعل. لم تكن منشورات النشطاء مجرّد رثاء عابر، بل كانت شهادات حية لرجل خدم فلسطين في صمت، وربّى أجيالًا دون أن يبحث عن الأضواء. ناشطون أشاروا إلى أنه كان من “الجنود المجهولين الذين صنعوا النصر في الظل”، فيما نعاه مقاتلون ممن تلقوا تدريبه، مؤكدين أن أثره سيبقى فيهم وفي كل رصاصة تنطلق من بندقية مقاوم.

من أبرز ما قيل عنه: “لم يكن يبحث عن رتبة أو صورة، بل كان يسابق الوقت لنقل ما عنده للأجيال القادمة”، و”كل ما نراه من تطور في التدريب والجاهزية هو من بصماته”، و”كان قائدًا يعرف أن النصر لا يأتي إلا بالعلم والإيمان والتنظيم”.

وبينما عبّر البعض عن الألم لفقده، أكد آخرون أن العيسى قد “استشهد واقفًا كما عاش”، مشيرين إلى أن دماءه ستنبت المزيد من القادة الذين نهلوا من علمه ورباطة جأشه. البعض رأى فيه امتدادًا لمدرسة المهندس يحيى عياش، لا في التصنيع فحسب، بل في الرؤية والبناء بعيد المدى.

خاتمة: القادة يرحلون لكن الأثر لا يُمحى

رغم أن العدو باغت القائد “أبو عمر السوري” في منزله، فإن ما زرعه هذا الرجل في قلوب المجاهدين وعقولهم لا يمكن اغتياله. ترك خلفه أجيالًا من القادة، ومناهج تدريب، وخططًا استراتيجية، وأسلوبًا في التفكير يُعدُّ من ملامح التجديد في العمل المقاوم.

إن استشهاد العيسى يمثل ضربة مؤلمة للمقاومة، لكنه في الوقت ذاته يُجسد حقيقة أن قادتها لا يُقاسون بعدد ظهورهم الإعلامي، بل بما يتركونه من أثر في ميدان لا يعرف إلا العمل والإنجاز.

في ذاكرة غزة، سيظل “أبو عمر السوري” عنوانًا لرجلٍ جاء من بلاد الشام ليُعطي فلسطين روحه وعقله وجهده، في مشهد يلخّص وحدة الدم والمصير بين شعوب المنطقة الحرة، ويؤكد أن مشروع المقاومة لا يُهزم باغتيال قائد، بل يشتدّ ويقوى بدمه.

اقرأ أيضًا : دوي انفجار في بئر السبع بعد إطلاق صاروخ من اليمن: معركة الإرادات تتسع نحو الجنوب