في سابقة هي الأولى من نوعها منذ اندلاع العدوان الإسرائيلي على غزة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كشف أول مسح ميداني مستقل عن حصيلة مفجعة لحرب الإبادة التي شنتها إسرائيل على القطاع، حيث قُدّر عدد الشهداء بنحو 84 ألف شخص حتى مطلع يناير/كانون الثاني 2025.
هذا الرقم، الذي يتجاوز بكثير الأرقام الرسمية المعلنة، يعيد تسليط الضوء على حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها القطاع المحاصر، وسط تشكيك متكرر من أطراف داعمة للاحتلال في مصداقية أرقام وزارة الصحة الفلسطينية.

المنهجية: مسح ميداني تحت النار
الدراسة نُشرت الأسبوع الماضي على منصة الأبحاث العلمية الطبية medRxiv، واستندت إلى مسح ميداني جريء أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية بالتعاون مع باحثين دوليين متخصصين في الإحصاء والوبائيات. وعلى مدار أسبوع واحد ابتداءً من 30 ديسمبر/كانون الأول 2024، زار فريق المسح نحو ألفي أسرة فلسطينية من مختلف أنحاء القطاع، وأجرى مقابلات مباشرة مع البالغين، رغم استمرار القصف الإسرائيلي.
ورغم تعذر الوصول إلى شمال غزة ومدينة غزة ورفح بسبب الحصار العسكري وأوامر الإخلاء، فإن آلاف النازحين من تلك المناطق كانوا قد لجأوا إلى مناطق جنوبية ووسطى، ما مكّن الفريق من تغطية واسعة للتركيبة السكانية للقطاع. وطلب الباحثون من المشاركين تحديد عدد أفراد أسرهم يوم 6 أكتوبر/تشرين الأول 2023، ثم الكشف عن مصير كل فرد: على قيد الحياة، مفقود، أو استُشهد.
كما تم التفريق بين الشهداء الذين قضوا بسبب أعمال عنف مباشرة، مثل القصف أو إطلاق النار، وبين الذين قضوا بسبب ظروف غير عنيفة، كالجوع، الأمراض، انقطاع الدواء أو غياب الخدمات الصحية.
النتائج: أرقام تتحدى الصدمة والصمت
النتائج التي خرج بها المسح كانت مروعة: 75,200 حالة وفاة عنيفة، و8,540 حالة وفاة غير عنيفة، ما يعني أن ما يقرب من 84 ألف شخص قضوا خلال 15 شهراً فقط. وتوضح البيانات أن أكثر من نصف الضحايا هم نساء تتراوح أعمارهن بين 18 و64 عاماً، أو أطفال، أو مسنون تجاوزوا 65 عاماً، مما يشير إلى أن النسبة الكبرى من الشهداء هم من المدنيين العزل.
ويتوافق هذا الرقم مع دراسة سابقة نُشرت مطلع العام الجاري، أشارت إلى مقتل 64,260 شخصاً حتى نهاية يونيو/حزيران 2024، ما يُعطي المسح الجديد مصداقية إضافية عبر تقاطع نتائجه مع دراسات أخرى اعتمدت على طرق إحصاء مغايرة.
ديباراتي غوها-سابير، وهي عالمة أوبئة متخصصة في النزاعات في جامعة لوفان البلجيكية وأحد المشاركين في الدراسة، أكدت أن هذه الأرقام تُظهر كيف تحوّلت البيئة الصحية في غزة من شبه مستقرة قبل الحرب إلى كارثية، نتيجة تدمير البنية التحتية الصحية ومنع دخول الأدوية والمعدات، ما ساهم في تفشي الوفيات غير العنيفة.
أما ليث جمال أبو رشاد، الباحث في الأمراض المعدية في مؤسسة “وايل كورنيل” في الدوحة، فقد أكد أن المسح لا يزال في وقته المناسب رغم مرور ستة أشهر على إجرائه، بل ربما يكون أكثر أهمية الآن، مع تصاعد الحرب واستمرار الحصار، خاصة في ظل التقديرات الجديدة التي تتحدث عن أكثر من 186 ألف شهيد وجريح، وأكثر من 11 ألف مفقود لا يزالون تحت الأنقاض.
تحليل: تجريم الاحتلال وأزمة مصداقية “المجتمع الدولي”
تكمن أهمية هذا المسح في كونه يخرج عن السياق الرسمي المعتاد، ويُكذّب بالصوت والصورة مزاعم الاحتلال وداعميه حول “الدقة في الاستهداف” أو “التمييز بين المدنيين والمقاتلين”. كما أنه يضع تحدياً أخلاقياً جديداً أمام المجتمع الدولي، الذي لا يزال عاجزًا عن وقف العدوان أو حتى دعم إجراء تحقيق دولي مستقل في هذه المجازر.
الإحصائي باتريك بول، مدير الأبحاث في “مجموعة تحليل بيانات حقوق الإنسان” في سان فرانسيسكو، وصف هذا المسح بأنه “غير اعتيادي” في بيئة حرب نشطة، مشيرًا إلى أن قوة نتائجه تنبع من كونه عملاً ميدانياً مباشراً وليس مجرد تحليل بيانات ثانوية.
كما أن المسح يضع المنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، أمام اختبار جديد بشأن حياديتها، إذ يتجاوز المسح أرقام وزارة الصحة التي واجهت تشكيكاً مستمراً من جهات غربية منذ بدء العدوان، رغم أنها كانت حتى الآن المصدر الوحيد الذي يقدم إحصاءات موثوقة.
خاتمة: توثيق الذاكرة ومساءلة المجرم
أهمية هذا المسح لا تكمن فقط في إحصاء الشهداء، بل في توثيق جرائم الإبادة الجماعية التي تُرتكب في غزة يوميًا. هو جهد علمي وإنساني يُعيد رسم معالم الحقيقة وسط ركام التضليل، ويُمهّد الطريق لمحاسبة الجناة على جرائمهم.
وفي ظل استمرار العدوان الإسرائيلي، ومع تدهور الخدمات الطبية وتقييد دخول المساعدات، يُرجّح أن يرتفع عدد الشهداء أكثر، وهو ما يدعو إلى تحرك عاجل لوقف آلة القتل الجماعي، وفرض حماية دولية على المدنيين الفلسطينيين، والضغط من أجل محاكمة الاحتلال على جرائمه أمام المحكمة الجنائية الدولية.
اقرأ أيضًا : كمين خانيونس.. القسام تنشر مشاهد لمحاولة أسر ضابط إسرائيلي وسط عمليات نوعية