يشهد السودان واحدة من أسوأ الكوارث الإنسانية في تاريخه الحديث، في ظل تصاعد غير مسبوق للمعارك بين الجيش وقوات الدعم السريع المدعومة إماراتيًا، وسط انهيار شبه كامل لجهود الإغاثة الدولية وتفاقم أوضاع المدنيين في مناطق الصراع، لا سيما في دارفور وكردفان والفاشر، التي تحولت إلى ما وصفته الأمم المتحدة بـ”مقبرة للإنسانية”.

تصاعد المعارك وتضييق الخناق على المدنيين

تتسارع وتيرة المواجهات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في أنحاء متفرقة من البلاد، حيث أعلن مصدر عسكري تنفيذ قصف جوي على مقر للدعم السريع في بلدة بليل جنوب شرقي نيالا بولاية جنوب دارفور، في وقت شنت فيه قوات الدعم هجوماً على مقر الفرقة الـ22 في ولاية غرب كردفان، ودَفعت بحشود كبيرة في محاولة للسيطرة على المدينة.

وتأتي هذه التطورات الميدانية بينما يصرّ وزير المالية جبريل إبراهيم، بعد زيارته لمخيم العفاض بالولاية الشمالية، على أنه “لا هدنة ولا تفاوض” مع قوات الدعم السريع، متعهداً باستعادة دارفور وكل المناطق التي سيطرت عليها القوات المتمردة، ومؤكداً أن الجيش لن يتسامح مع الجرائم التي ارتُكبت بحق المدنيين.

لكن المراقبين يرون أن هذه التصريحات لا تعكس سوى استمرار دوامة الحرب بالوكالة، حيث تشير تقارير استخبارية إلى تزايد الدعم المالي والعسكري القادم من الإمارات لمحمد حمدان دقلو (حميدتي)، في إطار ما يعتبره محللون “إصراراً إماراتياً على ترجيح كفة الميليشيا مقابل الجيش الوطني”، رغم الإدانات الدولية المتكررة.

أزمة إنسانية تخرج عن السيطرة

على الصعيد الإنساني، أكد توم فليتشر، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، أن الوضع في السودان لا يزال في مستوى الخطر الأقصى، مشيراً بعد لقائه برئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان في بورتسودان إلى استعداد الأمم المتحدة للعمل في جميع مناطق البلاد، شرط توفير الحد الأدنى من الضمانات الأمنية.

أما كارل سكاو، نائب المدير التنفيذي لبرنامج الغذاء العالمي، فقد أعلن التزام المنظمة بتوسيع نطاق المساعدات لتشمل المناطق الأشد صعوبة في الوصول إليها، ودعم المزارعين وإنعاش الأسواق المحلية في الخرطوم ودارفور، غير أن غياب الأمن وانهيار البنية التحتية جعلا هذه الجهود شبه مشلولة.

وحذّر مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من أن نحو 25 مليون سوداني يواجهون انعداماً حاداً في الأمن الغذائي، مضيفاً أن الصراع تسبب في “أزمة حقوقية وإنسانية هي من الأكبر في العالم”، مع مقتل الآلاف ووقوع مئات حالات الاغتصاب والقتل خارج القانون، ونزوح أكثر من 12 مليون شخص منذ أبريل/نيسان 2023، في ما وصفته الأمم المتحدة بأنه أكبر أزمة نزوح على وجه الأرض اليوم.

الفاشر.. قلب المأساة

في السياق ذاته، قالت المتحدثة باسم المفوضية الأوروبية للشؤون الإنسانية إيفا هرنتشيروفا إن مدينة الفاشر “تحولت إلى مقبرة للإنسانية”، مؤكدة أن نحو 1.5 مليون سوداني فروا إلى تشاد في ظروف مأساوية.

أما تقارير الأمم المتحدة فتشير إلى أن قوات الدعم السريع تمارس في المدينة سياسات تجويع متعمد عبر محاصرة المدنيين ومنع وصول الغذاء والدواء، بينما تُتهم الإمارات بتغذية الحرب عبر تمويل وإمداد الدعم السريع بالسلاح عبر شبكات تهريب جوية تمتد من بوصاصو في الصومال إلى دارفور، في تحدٍ صارخ للقوانين الدولية وقرارات مجلس الأمن.

ويقول مراقبون إن محمد بن زايد يواصل اتباع “استراتيجية النار البعيدة”، عبر استخدام المال والنفوذ السياسي لتوجيه الصراعات في إفريقيا بما يخدم مصالحه الاقتصادية والعسكرية، ما جعل السودان ساحة تصفية حسابات إقليمية يدفع ثمنها المدنيون الأبرياء.

نساء تحت القصف والاغتصاب

كشفت هيئة الأمم المتحدة للمرأة عن شهادات صادمة لنساء نازحات من الفاشر تحدثن عن عمليات قتل واغتصاب وخطف ممنهج، مؤكدة أن “الاغتصاب يُستخدم سلاحاً في الحرب”، وأن أجساد النساء أصبحت مسرحاً للجريمة في السودان.

وقالت المديرة الإقليمية للهيئة آنا موتافاتي إن “النساء تعرضن لأهوال لا يمكن تصورها”، مؤكدة أن هناك أدلة واضحة على أن العنف الجنسي يُمارس بشكل متعمد ومنهجي، في ظل غياب أي مساءلة أو تدخل دولي فعّال.

ويؤكد ناشطون حقوقيون أن هذه الانتهاكات ليست حوادث فردية، بل سياسة ممنهجة من قوات الدعم السريع التي تلقت تدريبات ودعماً لوجستياً من أطراف خارجية، أبرزها الإمارات، التي تتستر خلف واجهات شركات أمنية خاصة لتقديم الدعم المالي والعسكري للمتمردين.

انهيار الإغاثة واقتراب الكارثة الكبرى

وفي تحذير خطير، أعلنت المنظمة الدولية للهجرة أن عمليات الإغاثة في شمال دارفور على وشك الانهيار بسبب نقص التمويل والإمدادات، مشيرة إلى أن المستودعات شبه خالية وأن القوافل تواجه قيوداً أمنية شديدة.

وقالت المديرة العامة للمنظمة إيمي بوب إن “فرقنا تعمل في الميدان، لكن غياب الأمن ونفاد الإمدادات يعني أننا لا نصل إلا إلى جزء من المحتاجين”، مؤكدة أن الوضع يتجه نحو كارثة إنسانية أكبر، مع تجاوز عدد النازحين من الفاشر وحدها 90 ألف شخص خلال أسبوعين فقط.

وتشير التقارير إلى أن استمرار الدعم الخارجي، وخصوصاً من أبوظبي، يعني أن الحرب مرشحة للاستمرار، وأن السودان يتجه نحو انهيار تام للدولة ومجاعة شاملة قد تُسجّل كأكبر مأساة بشرية في إفريقيا خلال العقود الأخيرة.

خاتمة: السودان بين الموت البطيء وصمت العالم

بينما تتكدس جثث المدنيين تحت أنقاض الفاشر ونيالا وكردفان، وتفرّ العائلات من منازلها بلا طعام أو دواء، يواصل محمد بن زايد دعم حربٍ تحوّلت إلى مشروع إبادة جماعية بصمت دولي مريب.

إن المأساة السودانية لم تعد أزمة داخلية، بل كارثة إنسانية عالمية، ستظل وصمة عار على جبين من ساهم في إشعالها أو صمت عنها، بينما يموت السودانيون جوعاً واغتصاباً وتحت القصف، والعالم ينشغل بالبيانات والوعود الفارغة.

اقرأ أيضًا : كيف تُشعل الإمارات حرب السودان من السماء؟