في جولة جديدة من جولات الابتزاز السياسي الممنهج وفرص الاستقواء بالمنظمات الدولية، صعد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من نبرة ضغوطه الدبلوماسية ضد طهران، محاولاً فرض شروطه الأحادية لإجبارها على تقديم تنازلات إستراتيجية بينما يتعمد إبقاء المطالب الإيرانية في حالة من الغموض والتسويف. وزعم ترامب بصلف أن واشنطن “لا تحتاج إلى اتفاق للحصول على اليورانيوم الإيراني المخصب”، مستعرضاً عقليته الاستعلائية عبر إعلان عدم رغبته الحالية في لقاء المرشد الأعلى مجتبى خامنئي، قبل أن يتراجع جزئياً ليرهن اللقاء بالتوصل المسبق لاتفاق يضمن صياغة الممر الأمني للمنطقة وفق الهوى الأمريكي والتوريد النفطي لحلفائه.

ودخلت الوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة على خط الضغوط الأمريكية؛ حيث وجهت رسالة عاجلة وموجهة إلى الدول الأعضاء، كرت فيها مطالبة طهران بـ “الإفصاح الفوري” عن مصير مخزون اليورانيوم عالي التخصيب المتواجد لديها منذ تعرض منشآتها للقصف قبل عام، مشترطة استئنافاً كاملاً لعمليات التفتيش والرقابة اللوجستية. وحذرت الوكالة مما وصفته بـ “مخاوف الانتشار النووي” الناتج عن تعذر زيارة المنشآت، في توظيف سياسي مفضوح يهدف لتوفير الغطاء القانوني والدولي لسياسات الحصار والضغط التي يمارسها البيت الأبيض لانتزاع السيادة الإيرانية على برامجها العلمية والدفاعية.

استراتيجية “الهيمنة” ومخطط إسرائيل الكبرى

في المقابل، تحرك المرشد الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي لتفكيك أبعاد المخطط الغربي؛ مؤكداً بمناسبة الذكرى السنوية لوفاة مؤسس الثورة آية الله الخميني، أن نظام الهيمنة العالمي بقيادة الولايات المتحدة انتقل إلى استراتيجية جديدة خبيثة تستهدف الشؤون الداخلية لإيران لزعزعة استقرارها بعد عجز المواجهة العسكرية المباشرة. وحذر خامنئي من أن الكيان القمعي المزروع في المنطقة منذ ثمانين عاماً لا يمكنه القبول بوجود دولة مستقلة ومتقدمة على حدوده الشرقية، مشيراً إلى أن الأطماع الحالية تندرج ضمن الجغرافيا الوهمية والمزيفة لما يُسمى “إسرائيل الكبرى” الممتدة شرق نهر الفرات، والتي ترى في صمود طهران العسكري الصخرة الإستراتيجية التي تتحطم عليها أوهام التوسع والسيطرة الإقليمية.

وتتزامن هذه التراشقات السياسية العنيفة مع إعلان إيران تفعيل إدارتها المشتركة والسيادية لمضيق هرمز الحيوي بالتنسيق مع سلطنة عُمان لحماية الملاحة الإقليمية من التدخلات الأجنبية؛ وهو التحرك الذي دفع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للدخول على خط الأزمة عبر عرض وساطة موسكو لتقريب وجهات النظر. وتثبت الوقائع الميدانية أن محاولات واشنطن لتسييس ملف الطاقة الذرية واستخدام الفزاعات النووية لن تفلح في كسر التوازن الدفاعي، وأن التهديدات الإسرائيلية المدعومة أمريكياً تسرع من وتيرة التحالفات الشرقية لحماية ممرات الطاقة وصد خطط الوصاية الدولية المعولمة.