يشهد السودان تطورات عسكرية وإنسانية متسارعة تُنذر بانفجار أوسع في إقليمي كردفان ودارفور، حيث تتواصل الاشتباكات بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، بالتوازي مع موجات نزوح غير مسبوقة تضرب المدن والقرى في الشمال والغرب. ورغم تعدد جبهات القتال وتعقّد مشهد السيطرة، يبرز – مجدداً – دور الإمارات في تأجيج الصراع، وفق اتهامات رسمية وحقوقية، عبر دعمها المستمر لقوات الدعم السريع التي باتت محور الكارثة الراهنة في الفاشر وكردفان.
تقدّم ميداني للجيش في كردفان
أكد مصدر عسكري سوداني لقناة الجزيرة أن الجيش دمّر عدداً من العربات القتالية التابعة لقوات الدعم السريع في منطقة “المثلث” الحدودية بين مصر وليبيا والسودان، وهي منطقة لطالما شكلت أحد أهم خطوط الإمداد الخارجي لقوات الدعم السريع خلال الشهور الماضية. ويعد هذا التطور ضربة جديدة لجماعة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، التي تواجه ضغوطًا عسكرية متزايدة بعد أشهر من التوسع في دارفور.
وفي ولاية شمال كردفان، تجددت المواجهات قرب مدينة بارا وغربي مدينة الأُبيّض، حيث أعلن الجيش والقوات الشعبية المتحالفة معه تحقيق تقدم ميداني ملحوظ. وأظهرت تسجيلات مصورة نشرها الجيش اشتباكات عنيفة غرب بارا، مؤكدة نجاح القوات الحكومية في كسر خطوط الدفاع الأولى لقوات الدعم السريع، وهي خطوط كانت هذه الأخيرة تعتمد عليها لإحكام قبضتها على الريف الغربي للولاية.
في المقابل، زعمت قوات الدعم السريع أنها تسيطر على أجزاء من المناطق الواقعة غربي مدينة الأُبيّض، في محاولة للحفاظ على صورتها القتالية رغم الخسائر التي منيت بها خلال الأسابيع الماضية.
نزوح متسارع في شمال كردفان
التطورات العسكرية انعكست مباشرة على الوضع الإنساني. إذ أعلنت فرق التتبع الميداني في منظمة الهجرة الدولية نزوح 315 شخصًا من قرية المزرّوب بمحلية غرب بارا، متجهين نحو محلية شيكان. وتشير بيانات المنظمة إلى تكرار موجات النزوح بوتيرة متسارعة في محليات بارا وشيكان والرهد وأم روابة وأم دم حاج أحمد.
وبحسب الأرقام الرسمية، فقد نزح نحو 39,725 شخصًا في ولايات كردفان خلال الفترة بين 26 أكتوبر و19 نوفمبر، بينما تتوقع الأمم المتحدة وصول العدد إلى ما يفوق 40 ألفاً خلال أيام، مع استمرار المعارك وتدهور الأمن.
وتحذّر منظمات حقوقية سودانية من تفريغ الريف الكردفاني من سكانه نتيجة العنف والنهب والانفلات الأمني، حيث بات المدنيون هدفاً مباشراً لميليشيات الدعم السريع التي تعتمد على سياسة الأرض المحروقة منذ فشلها في السيطرة على الأُبيّض.
مأساة الفاشر.. نزوح يفوق 100 ألف شخص
وفي مشهد أكثر قتامة، أعلنت الأمم المتحدة أمس أن أكثر من 100 ألف شخص فرّوا من مدينة الفاشر وحدها منذ 26 أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وهو اليوم الذي أحكمت فيه قوات الدعم السريع السيطرة على المدينة بعد معارك طاحنة.
وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك إن “شمال دارفور يشهد أوضاعاً مروّعة تفوق قدرة المجتمع الإنساني على الاستجابة”، مؤكداً أن عشرات الآلاف من الفارّين وصلوا إلى مناطق تفتقر أساساً إلى الغذاء والماء والخدمات الطبية، ما تسبب في ضغط هائل على مخيمات النازحين.
وأفادت منظمات دولية بوقوع مجازر واسعة بحق المدنيين في الفاشر عقب سيطرة قوات الدعم السريع عليها، بما في ذلك إعدامات ميدانية ونهب شامل للبيوت والمستشفيات. ورغم اعتراف حميدتي شخصياً بوجود “تجاوزات”، فإن عدم اتخاذ أي إجراءات فعلية لوقف الانتهاكات يعزز القناعة بأن الأمر جزء من استراتيجية عسكرية ممنهجة وليست تجاوزات فردية.
الإمارات في قلب الاتهامات
أبرز ما يربط هذه التطورات هو الاتهامات المتكررة التي توجهها الحكومة السودانية وتقارير أممية للسلطات الإماراتية بدعم قوات الدعم السريع بالسلاح والمال والإمداد اللوجستي، وهو ما ساهم في إطالة الحرب وتوسيع نطاقها الجغرافي، خصوصاً في دارفور وكردفان.
وتؤكد مصادر دبلوماسية أن دعم أبوظبي لعب قوات حميدتي – سواء عبر الطائرات المسيّرة أو المركبات المدرعة أو خطوط الإمداد القادمة من ليبيا – أعاد تشكيل الخريطة العسكرية في غرب السودان، ومكّن الدعم السريع من تنفيذ عمليات توسع سريعة ومجازر بحق المدنيين، لا سيما في الفاشر والجنينة وزالنجي.
وتشير تقديرات أممية إلى أن معظم الأسلحة التي استُخدمت في اقتحام مدينة الفاشر جاءت عبر شبكات تهريب مرتبطة بموانئ وشركات إماراتية داخل وخارج السودان، في تكرار للنمط ذاته الذي ظهر سابقاً في حرب اليمن وليبيا.
تحذيرات أممية من كارثة أكبر
وفي ختام بيانه، دعا دوجاريك إلى ضمان وصول المساعدات الإنسانية بلا عوائق إلى جميع المناطق المتضررة، محذراً من أن استمرار القتال وانتشار المجازر في ظل غياب الدعم الدولي لخطة الاستجابة سيقود السودان إلى كارثة إنسانية غير مسبوقة.
وبينما تتصاعد المعارك في كردفان وتتعمق الكارثة في دارفور، يبدو أن الدور الخارجي – وعلى رأسه الدور الإماراتي – سيبقى عاملاً رئيسياً في إطالة الحرب وتفاقم نزوح المدنيين ما لم يُتخذ موقف دولي صارم يضع حداً لتدفق السلاح والأموال التي تغذي واحدة من أخطر الحروب في المنطقة.
اقرأ أيضًا : شهيدان شمال القدس واعتداءات المستوطنين تتصاعد في الضفة