تتسارع وتيرة الانهيار الإنساني في إقليم دارفور مع دخول مدينة الفاشر مرحلة غير مسبوقة من النزوح الجماعي، بعدما أعلنت الأمم المتحدة أن أكثر من 82 ألف شخص فرّوا من المدينة خلال أيام قليلة، وسط تصاعد العنف وانعدام مقومات الحياة الأساسية. وتصف المنظمات الدولية الوضع هناك بأنه “كارثة إنسانية مكتملة الأركان”، في وقت تتهم فيه تقارير ميدانية الإمارات بالاستمرار في تمويل وتسليح قوات الدعم السريع التي تفرض حصارًا خانقًا على المدينة وتمنع وصول المساعدات.
شبكة أطباء السودان أكدت في بيان لها أن آلاف المدنيين، ومعظمهم من النساء والأطفال، ما زالوا محتجزين قسرًا داخل أحياء محاصرة وتحت رحمة مليشيات الدعم السريع، مشيرة إلى ارتكاب انتهاكات جسيمة ضد النساء والفتيات، بينها عمليات اغتصاب جماعي وتعذيب واعتداءات بدنية في ظل غياب تام للحماية القانونية والرقابة الإنسانية. وتؤكد الشبكة أن ما يحدث في الفاشر ليس مجرد معركة عسكرية بل “جريمة ضد الإنسانية تُنفذ ببطء وتواطؤ دولي”.
تحركات عسكرية وتوازنات مضطربة
ميدانيًا، شهدت الأيام الأخيرة تصعيدًا لافتًا في العمليات العسكرية بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع. وأفاد مصدر عسكري لقناة الجزيرة بأن طائرة مسيّرة تابعة للدعم السريع استهدفت بلدة أم برمبيطة في ولاية جنوب كردفان قرب إحدى حاميات الجيش، دون أن تحقق إصابات مباشرة. يأتي ذلك في وقت أعلن فيه الجيش أنه بصدد “مواصلة عملياته للوصول إلى دارفور” في إطار ما وصفه مساعد القائد العام ياسر العطا بأنه “استجابة لإرادة الشعب السوداني ومؤسسته العسكرية”.
العطا أكد أن الجيش “ليس داعيًا للحرب بل يعمل من أجل أمن الوطن وسلامته”، لكنه شدد في الوقت نفسه على أن “إعادة الاستقرار في دارفور لن تتم إلا بإزالة التهديد المسلح المدعوم خارجيًا”، في إشارة واضحة إلى الدعم الإماراتي لقوات الدعم السريع.
وفي هذا السياق، أعلن حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي عزمه “التحرك غربًا لتحرير الإقليم والسودان بأكمله من المليشيات”، بينما صرّح عبد العزيز عشر، مستشار رئيس حركة العدل والمساواة، بأن “القوات المشتركة ستقاتل إلى جانب الجيش في خندق واحد من أجل حماية المدنيين واستعادة وحدة الدولة”.
في المقابل، ردّ مستشار قائد الدعم السريع الباشا طبيق باتهام الجيش بمحاولة “إعادة إنتاج النهج القديم القائم على منطق الحرب والمكاسب السياسية”، داعيًا إلى “تحالف وطني شامل يضع حلولًا سياسية تعالج جذور الأزمة”. إلا أن مراقبين يرون أن هذه الدعوات لا تعدو كونها مناورة إعلامية لتغطية الجرائم الميدانية والانتهاكات المستمرة في دارفور.
الإمارات تحت المجهر
الحديث عن الدعم الإماراتي لم يعد محصورًا في التقارير الاستقصائية، بل بات بندًا ثابتًا في مداولات المنظمات الحقوقية والهيئات الأممية. فخلال الأشهر الماضية، كشفت تقارير عديدة عن شبكة نقل جوية سرية تنطلق من مطارات تديرها شركات إماراتية في بوصاصو بالصومال وأوغادوغو بالنيجر وأبوجا في نيجيريا، تُستخدم لنقل الأسلحة والذخائر إلى قوات الدعم السريع. كما أظهرت صور الأقمار الصناعية وبيانات تتبّع الطائرات أن شحنات من الأسلحة الثقيلة وصلت إلى مناطق غرب السودان بعد رحلات جوية غامضة من مطار العين العسكري في أبوظبي.
وتتهم منظمات حقوقية الإمارات بتمويل مليشيات الدعم السريع ضمن صفقة غير معلنة مقابل النفوذ الاقتصادي في مناجم الذهب السودانية وممرات تهريب الذهب عبر تشاد وليبيا، ما حول دارفور إلى مسرح مفتوح للصراعات بالوكالة.
كارثة إنسانية ونداءات عاجلة
الأمم المتحدة من جانبها عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفه فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، بأنه “فظائع مروّعة” ترتكب في الفاشر، محذرًا من أن الوضع “يسير نحو الإبادة الجماعية” إذا لم يتحرك المجتمع الدولي بشكل عاجل.
تورك أشار إلى “تقارير موثوقة” عن قتل جماعي وعنف عرقي واغتصاب جماعي، مشددًا على أن الحصار الذي سبق سقوط المدينة كان “جريمة فظيعة بحد ذاته”.
وفي موازاة ذلك، أعلن مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) أن خطة الاستجابة الإنسانية لعام 2025 تواجه عجزًا ماليًا ضخمًا؛ إذ لم يتم سوى تمويل 28.3% من احتياجاتها البالغة 4.16 مليارات دولار، ما يعني فجوة تمويلية قدرها نحو 3 مليارات دولار، وهو ما يهدد بتفاقم الكارثة في بلد يضم اليوم أكثر من 30 مليون شخص بحاجة للمساعدة.
كما نعى مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم غيبريسوس الطبيب آدم إبراهيم إسماعيل، الذي أعدمته قوات الدعم السريع ميدانيًا في الفاشر، داعيًا إلى “وقف العنف ضد العاملين في المجال الصحي” ومؤكدًا أن الاعتداءات على الأطباء “تمثل انتهاكًا صارخًا للقانون الإنساني الدولي”.
أزمة نزوح تتسع شمالًا
لم تقتصر موجات النزوح على دارفور وحدها، بل امتدت إلى ولايات الشمال. ففي مدينة الدبّة بالولاية الشمالية، ارتفع عدد النازحين إلى 57 ألفًا من دارفور وكردفان، بينهم أكثر من 500 أسرة من مدينة بارا، يجري نقلهم إلى المخيم الرئيسي في العفاض شرق المدينة. وتعيش هذه الأسر في أوضاع إنسانية مأساوية في ظل نقص حاد في الغذاء والمياه والرعاية الطبية.
وبحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر، يواجه النازحون خطر المجاعة وانتشار الأوبئة، في ظل انقطاع طرق الإمداد وغياب الخدمات الأساسية، بينما تحذر منظمات الإغاثة من “شتاء كارثي” إذا لم تُفتح الممرات الإنسانية في أسرع وقت.
خاتمة: حرب بالوكالة تُهدد وحدة السودان
تُظهر التطورات الأخيرة أن السودان يواجه مرحلة مفصلية في تاريخه الحديث، حيث تندمج المأساة الإنسانية في دارفور مع الصراع العسكر
ي والسياسي على السلطة. وبينما يُصرّ الجيش على “تحرير الإقليم”، تتمسك قوات الدعم السريع بمواقعها مدعومةً بأموال وسلاح من الإمارات، ما يجعل الحرب في السودان أكثر تعقيدًا ودموية.
وفي ظل عجز المجتمع الدولي عن فرض وقف إطلاق نار شامل أو محاسبة الأطراف المتورطة في الجرائم، يبدو أن الفاشر — مثل مدن سودانية أخرى — تُدفع نحو مصير يشبه ما عاشته سربرنيتسا قبل ثلاثة عقود: حصار، مجازر، وتهجير ممنهج، تحت صمت العالم.
اقرأ أيضًا : موجة نزوح كبرى من الفاشر بفعل الإمارات..والدعم السريع تحرق مئات الجثث في دارفور