في 30 أكتوبر/تشرين الأول 2025، قدّم توماس فليتشر، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، واحدة من أكثر الشهادات صدمة حول ما يجري في الفاشر. 

قال أمام الصحفيين إن “النساء والفتيات يُغتصبن، والناس يُشوّهون ويُقتلون بلا أي رادع”، مضيفًا عبارته الشهيرة: “دم على الرمل.. ودم على الأيدي”. جاءت تصريحاته بينما كانت قوات الدعم السريع تُحكم الطوق على المدينة، آخر معاقل الجيش السوداني في شمال دارفور، في معركة اعتُبرت الأهم منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023.

 

الفاشر… المدينة التي تحدد شكل خريطة السودان

الفاشر ليست مجرد مدينة كبيرة في غرب السودان، بل عقدة مواصلات تُربط دارفور بالحدود الليبية والتشادية والوسط السوداني، وبالتالي فهي الشريان اللوجستي الذي يتيح لقوات الدعم السريع التحرك نحو كردفان، الولاية الشمالية، ومحور ليبيا–السودان حيث تنتشر طرق التهريب والسلاح. تقرير صادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات يشير إلى أنّ السيطرة على شمال دارفور تمنح الدعم السريع أفضلية استراتيجية قد تغيّر توازن القوى في كامل الإقليم.

ومع أن الحكومة السودانية صدّرت ذهبًا أكثر من الدعم السريع في 2024، وفق دراسة لبلدو وسليمان، إلا أن الطرفين تنافسا بشراسة على حقول الذهب: الجيش يسيطر على المناجم في البحر الأحمر والنيل والشمالية، بينما يسيطر الدعم السريع على مناجم دارفور وأجزاء من غرب كردفان. الذهب أصبح العملة الصلبة التي تُشترى بها الطائرات المسيّرة والذخائر، وتُموَّل بها حرب تُشبه — من حيث شراستها وامتدادها — الحروب الأهلية الكبرى في إفريقيا ما بعد الاستعمار.

خيوط خارجية… من الإمارات إلى موسكو

رغم نفي أبوظبي المتكرر، فإن تقارير أممية وإعلامية واسعة، إضافة إلى مذكرات قضائية سودانية رُفعت أمام محكمة العدل الدولية، تتهم الإمارات بتقديم دعم مالي وعسكري للدعم السريع. وزارة الخزانة الأمريكية، في بيان يناير 2025، فرضت عقوبات على عدد من الشركات المسجلة في الإمارات واتهمتها بتمويل وتسليح قوات حميدتي. كما أشارت تقارير أخرى إلى أن الذهب السوداني — سواء من مناجم جبل عامر أو مناطق التعدين الأهلي — يُهرّب عبر السودان إلى تشاد وأوغندا ومصر، قبل أن يصل إلى دبي، التي أصبحت واحدة من أكبر مراكز الذهب في العالم.

في المقابل، حصل الجيش السوداني على دعم من مصر وإيران وتركيا، بينما قدّمت روسيا — عبر مجموعة فاغنر/الفيلق الإفريقي — خدمات مرتبطة بحماية مواقع الذهب وتسهيل التهريب مقابل حصص مالية. هذا التشابك جعل الحرب تبدو أقل شبهاً بصراع داخلي، وأقرب إلى مسرح إقليمي–دولي تُختبر فيه موازين القوى بين الخليج وروسيا والقوى الغربية.

الفاشر… مشهد الفظائع التي هزت العالم

ستة عشر شهراً من الحصار انتهت باقتحام دموي. تقارير اليونيسيف في أغسطس 2025 تحدثت عن أسوأ تفشٍ للكوليرا منذ عقود. وفي الأيام الأولى من الاقتحام، أعلنت وزارة الرعاية الاجتماعية السودانية أن الدعم السريع قتل 300 امرأة واغتصب 25 أخريات، بينهم صحفيات. منظمة “أطباء السودان” قالت إن أكثر من 1500 شخص قُتلوا خلال ثلاثة أيام فقط. أما مدير منظمة الصحة العالمية تيدروس أدهانوم، فأكد أن 460 مريضاً قُتلوا داخل مستشفى السعودي بعد دخول مقاتلي الدعم السريع إليه.

وتُظهر صور衛 القمر الصناعي “مسابح من الدماء يمكن رؤيتها من الفضاء”، بحسب وصف صحفيين دوليين. السيناتور الأمريكي جيم ريش قال صراحة: “الدعم السريع ارتكب إبادة جماعية في دارفور”.

من حرب سياسية إلى حرب ذهب

منذ 2017، أحكمت عائلة دقلو قبضتها على مناجم جبل عامر. شركة الجنيد التابعة للعائلة سيطرت على تصدير الذهب إلى الإمارات بعيداً عن رقابة البنك المركزي. ومع محاولة الحكومة دمج الدعم السريع في الجيش، انفجرت الحرب، وتحول الذهب إلى وقود الصراع. تقارير عديدة تربط استمرار الحرب بضلوع أطراف خارجية تعتمد على الذهب السوداني، وبقاء طرق التهريب مفتوحة عبر الحدود الطويلة مع ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى.

ويحذر خبراء من أن السودان يسير نحو سيناريو شبيه بجنوب السودان 2011: انقسام، دول متنافسة، ومراكز نفوذ مرتبطة بالموارد.

العالم في مفترق طرق… والسودان يدفع الثمن

مع تزايد التسلّح عالمياً، وصعود محور بريكس+، وتراجع قدرة النظام الدولي على فرض وقف إطلاق النار، تبدو الحرب السودانية جزءاً من لحظة دولية تتسم بالفوضى وعدم اليقين. “الرباعية” — الولايات المتحدة، الإمارات، السعودية، مصر — لم تُحقّق سوى هدنة إنسانية محدودة رفض الجيش الالتزام بها بشكل كامل، فيما تواصل قوات الدعم السريع التمدد بفضل شبكات تمويل متعددة.

خاتمة

أحداث الفاشر ليست مجرد فصل من فصول الحرب السودانية، بل مرآة لحرب الذهب التي تحولت إلى صراع جيوسياسي مفتوح تتداخل فيه حسابات الخليج وروسيا والغرب. وفي ظل غياب إرادة دولية حقيقية، ورفض الأطراف السودانية تقديم تنازلات، فإن ما حدث في الفاشر قد لا يكون النهاية، بل بداية فصل أكثر قتامة، قد يعيد رسم خريطة السودان ويترك البلاد رهينة ديمومة الحرب لعقود.

اقرأ أيضًا : وسط قيود مشددة على الأسرى المحرَّرين.. باسم خندقجي يلتقي جمهوره لأول مرة في القاهرة بعد تحريره